كثيراً ما يخبرنا التاريخ بأن عوامل مثل الجيوسياسة أو الاقتصاد أو صراع الأيديولوجيات أو العقائد تقف وراء الحروب الفتاكة، لكن أعمق من ذلك يمكننا القول إن أشرس الحروب، خصوصا إذا كانت موسومة برغبة الإبادة، يقف وراءها شعور واحد هو الكراهية، وبدون الكراهية ما كان لنا أن نشهد اعتداءات وحشية وحروب إبادة أو تطهير عرقي.
يقال إن الحرب فكرة تدور في رؤوس أقل من 100 رجل ويدفع ثمنها الملايين من مدنيين أو عسكريين يخوضون هذه الحروب دون معرفة أسبابها أو مبرراتها، وهؤلاء العدد المحدود من مؤسسي الحروب غالبا ما تحتشد دواخلهم بشعور الكراهية المقلق لهم تجاه من يرون أنه مختلف عنهم أو من يتوهمون أنه مهدد لوجودهم.
يقال أيضا إن من يحتشد بشعور الكراهية الحاد نتيجة ميراث جيني أو تنشئة أو تضليل ممنهج أو غيرها من أسباب تكثف هذا الشعور عادة ما يكون شخصاً مثابراً وناجحاً في حياته العملية ومجيداً لفنون الخطابة والإقناع، وبالتالي غالباً ما يكون أمثال هؤلاء قادرين على الترقي في المناصب بإثبات جدارتهم وقدرتهم على القيادة، ويصل بعضهم لأن يكون على رأس أقوى الجيوش فوق الأرض.
الكاره بطبيعته حين يصل أعلى سلطة سيجمع حوله من يرى فيهم أشباهه ممن يعانون من هذه اللوثة (الفاعلون في حكومة نتنياهو على سبيل المثال) وهؤلاء جميعا من يسيطرون على القرار سيصبحون القلة القادرة على إشعال فتيل الحروب الفتاكة وغير المبررة غالباً حيال من يجعلونه عدوهم المهدد لأمنهم القومي أو المهدد لوجودهم، وغالباً ما نكتشف في النهاية أن هذه الحروب غير المبررة كانت لأسباب تافهة وتتعلق في الأساس بالتنفيس عن هذا الشعور.
قد نضرب أمثلة عديدة في التاريخ من مثل هؤلاء المهووسين بالفتك بالآخرين وشن أكثر الحروب شراسة، لكن سنكتفي بنموذج نشاهده يومياً والآن في نشرات الأخبار، ونقرأ العشرات من تغريداته اليومية، وهو الرئيس الأميركي ترامب الذي لم يصل إلى أن يكون القائد الأعلى لأقوى الجيوش فوق الأرض على مر التاريخ بالصدفة كما يحدث أحيانا في عالمنا ذي الجيوش المتواضعة، لكنه جاء عبر انتخابات أمة من المفترض أن يكون طورها الحضاري نابذاً للعنف وصانعاً للسلام، وهنا تكون الحيرة في أقصاها، وهذا التناقض ما يجعل من ترامب ظاهرة أكثر منه شخصا عابرا في بيت أميركا الأبيض.
الظاهرة الترامبية التي تُعتبر حكومة اليمين الصهيونية المتطرفة إحدى أعراضها، هي ما أجج المكبوت العنصري في أرجاء الأرض بكل ما يحتويه من كراهية وعنف، وأنعشت صراحةُ ترامب وجهرُه بهذا النوع من الكراهية خلال خطاباته المرتجلة هذا المسكوت عنه في كل مكان، وجعل من الكراهية والعنصرية ومبدأ تقييم الإنسان من خلال الصفقات أيديولوجيا شفهية تهيمن الآن في عديد الدول الغربية، وتتقدم تدريجياً نحو قيادتها؛ حتى في الدول التي قطعت أشواطاً في الممارسة الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان.
وتناغماً مع هذا التحول سيغير ترامب اسم (وزارة الدفاع) إلى (وزارة حرب) دون أن يفقد الأمل في حصوله على جائزة نوبل للسلام (استمرت تسمية وزارة الحرب مئة وخمسين عاماً، ولم تُغير إلى (وزارة دفاع) إلا بعد الحرب العالمية الثانية) والآن يجري إحياء تراثها الدموي من جديد عبر الظاهرة الترامبية، وفي الأحوال جميعها؛ فإن ترامب بهذا الإجراء لم يأت بجديد، وكل ما فعله أنْ كشف الغطاء عن عورات السياسة الأميركية، والإفصاح عن حقيقتها بعد نزع كل المكياج الدبلوماسي والأقنعة الدعائية عنها، وإن الـ«بنتاغون» كان دائماً وزارة حرب تتسكع بآلاتها القاتلة في ربوع الأرض رغم اللافتة الخادعة التي تربطه بالدفاع، وإن منصبَي وزير الدفاع في أميركا ووزير الخارجية لا يختلفان كثيراً، أو كما قال عراب السياسة الخارجية الأميركية كيسينجر: إن حاملة الطائرات الأميركية هي عبارة عن مئة ألف طن من الدبلوماسية.
وهنا يقصد الدبلوماسية كما تفهمها الولايات المتحدة، وليس كما تُعرَّف في العلوم السياسية، وهذا المفهوم الأميركي ما جعل حربين تُشنان على جمهورية إيران أثناء التفاوض الذي كان يعد بحلول دبلوماسية، لأن الولايات المتحدة تعشق تاريخيا مفاوضة الأنقاض والركام والمقابر الجماعية، والشرط الوحيد لهذه المفاوضات هو البديل المتمثل في زحف حاملات الطائرات الأميركية صوب الشرق الأوسط من أجل الوصول إلى حل دبلوماسي لا يرضي إلا طرفا واحدا، وأصبحت عبارة «المئة طن دبلوماسية» دارجة الآن في القاموس السياسي الجديد المتملص من القوانين الدولية ومن الأخلاق.
وكل ما فعله ترامب أن جعل هذه الشروط علنية بعد أن كانت سرية. وحين تكون هذه المئة طن في خدمة الكراهية كشعور كامن لدى من يصلون إلى سلطة اتخاذ القرار، يصبح من الطبيعي أمام صلف القوة الجهرُ بالكراهية علناً، ومن أجل أن تكون قنوات تسريب هذه الكراهية مفتوحة على العدو أن يبقى دائماً حياً، حيث بدأت حروب ترامب غير حروب سابقيه تدعو لإنهاك قوة الدول دون إسقاط نظمها.
يقول فريدريك نيتشه في كتابه (إنسانيٌّ مفرط في إنسانيته): «أشد أنواع الحروب وحشية وقذارة تلك التي غايتها بقاء العدو حياً لا الانتصار. من يحيا من خلال مهمةِ مقاتلة عدو، سيكون من مصلحته أن يظل ذلك العدو على قيد الحياة».
دائما ما كانت لديَّ تحفظات على نظام ولاية الفقيه في ما سميت جمهورية إيران الإسلامية، وعلى سلوكها مع شعبها أو مع الفئة التي لديها مطالب عادلة من مجتمعاتها، لكن كما يقول الكثير من مفكري السياسة في أميركا نفسها أن هذه الحرب غير مبررة وأن إيران لا تشكل أي خطر على أمن الولايات المتحدة، ويضيف البعض أن ترامب انساق وراء رغبة نتنياهو. وفي المجمل منشأ هذه الحرب كراهية فجة عايشناها وشاهدناها يوماً بيوم في حرب نتنياهو وأعوانه من الأشباه في غزة، وصهيونية ترامب تصل لدرجة أن من يكرهه الكيان الصهيوني عليه أن يكرهه هو أيضاً، بمعنى الأخوّة في الكراهية التي جعلت النازية والفاشية تتحالفان ضمن محور واحد.
من جانب آخر، من يحتشد بشعور الكراهية المزعج عليه دائماً أن يخترع عدواً لكي يفضفض، أو يفرغ بعضاً من هذا الشعور الضاغط حد الإعياء، وسواء كانت النظم التي على رأسها مثل هؤلاء الموتورين دكتاتورية أو ديمقراطية فإن النتيجة واحدة.
في كتاب (الكراهية، والسياسة، والقانون) يقر مايكل ثورب في بحثه المعنون «كراهات ديمقراطية: صناعة (العدو المكروه) في الديمقراطية الليبرالية» أن «الملمح الرئيس في الكراهية الديمقراطية بتعبيراتها المختلفة هو تحديد العنف في الآخر غير الديمقراطي، الآخر بوصفه العنف بمعناه المتأصل، سواء مارسه أو لم يمارسه... حين تكره الديمقراطيات، فإنها تكره الكاره». أي بمعنى، إن الآخر الواجبة كراهيته هو من يجعل العالم عنيفاً، وهو من ينشر الخوف أينما حل. وكما يقول نيتشه: «يلزم أولاً أن يصبح الثعبان تنيناً، قبل أن يمسي المرء بطلاً في محاربته».
بمعنى أن التمهيد لهذه الجريمة كان عبر توصيف مسبق للمقصود بهذه الجريمة، ثم تضخيمه وتصويره على أنه الممثل الأخطر للكراهية ونشر الخوف في العالم، حيث لا فرق في هذه الحالة بين من يكره طرفاً آخر لأسباب عرقية أو مذهبية أو جندرية أو غيرها، أو من يكره آخر لأنه اغتصب أرضه وحاصره ونكل به في وطنه، وهي كراهية نتيجة أفعال إجرامية من قبل غاصب تقف وراء كل حركات المقاومة في التاريخ، غير أنها ليست دائمة لأنها كراهية متعلقة بسلوك قد يتغير وليس بنوع لا يتغير.
الكراهية قد تجعلك تقتل أناساً لو قُدِّر لك أن تتعرف عليهم في ظروف مختلفة لصاروا من أقرب أصدقائك.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات