Atwasat

رمضانيات (4)

جمعة بوكليب الأربعاء 11 مارس 2026, 05:01 مساء
جمعة بوكليب

أعترفُ بخجل أنني أخفقت في قراءة رواية الروائي الإيرلندي جيمس جويس المعنونة (يوليسيس) رغم كل ما أبديته من محاولات. وفي الوقت نفسه أغبطُ الذين منحهم الله الصبر والعزم وتمكنوا مما فشلت فيه أنا. وأعترف ثانيةً أنني كلما ذُكرت الرواية أمامي تذكرت إخفاقي، وشعرتُ في آن معًا بحسرة تأكل قلبي وبغصة تسدُّ حلقي.

على رفوف مكتبتي في البيت توجد نسختان من رواية يوليسيس. واحدة باللغة الإنجليزية - لغتها الأصلية - وأخرى نسخة مترجمة إلى اللغة العربية في جزئين، ترجمة صلاح نيازي. في كل مرّة أهمُّ بقراءتها سرعان ما يتبخّر عزمي متلاشيًا مثل بخار في هواء، وأفقد شهيّتي بسبب الشروح الكثيرة في الهوامش التي تضجرني، وتجعلني أشعر وكأنني أقرأ بحثًا أكاديميًا. هذا من جهة.

من جهة أخرى، فإن فشلي في قراءتها لم يقف حائلًا بيني وبين قراءة ما كُتب حول تلك الرواية من دراسات باللغتين الإنجليزية والعربية صدف وقوعها بين يديَّ، مما أتاح لي فرصة الإلمام كثيرًا بمحتواها وأجوائها.

في الفترة الأخيرة، قرأت رواية هشام مطر المعنونة (أصدقائي) وهي آخر أعماله، مترجمة إلى اللغة العربية في يومين. الرواية ملحمية، ماتعة ومحزنة في آن، وتمنيت لو أنها لا تنتهي، كونها تتعرض لفترة من أحلك فترات ليبيا الحديثة، التي تبدأ بتحول النظام الاستبدادي العسكري إلى غول بأنياب ومخالب يطارد خصومه في الداخل وفي الخارج، ويقضي عليهم بالقتل أو بالشنق أو برميهم في السجون.

رواية أصدقائي لهشام مطر، في رأيي، رواية المنفى والمنفيين بامتياز، وأفضل تجسيد لجدلية العلاقة بين الوطن والمنفى.
لدى الانتهاء من قراءة رواية هشام مطر، دَخلتْ على خط تفكيري روايةُ جيمس جويس المذكورة أعلاه. إذ تبين لي أنه على عكس جيمس جويس الذي، يقول النقاد، إنه «عمد (في روايته) إلى تكثيف العالم في 18 ساعة ليعبّر عن اتساع اللحظة»، قام هشام مطر، في رأيي، بعملية عكسية ومذهلة تقنيًا، بأن جعل من رحلة سير على الأقدام تستغرق ثلاث ساعات على الأكثر مشيًّا وعاءً صبَّ فيه 27 عامًا من الأحداث، جرت بين بنغازي في ليبيا ولندن في بريطانيا وباريس في فرنسا.

المشي في روايتي الكاتبين (الإيرلندي والليبي) يتم لتحقيق غايتين مختلفتين: عند جيمس جويس في «يوليسيس» فإن المشي في مدينته دبلن، استنادًا إلى ما يقوله النقاد، هو «استكشاف للمكان وتفاصيله المادية والنفسية في الحاضر.» وعند هشام مطر، فإن المشي في لندن ليس استكشافًا للمكان بل استدعاءٌ للزمن. الراوي «خالد» يتعمد في خط سيره عائدًا إلى بيته المرور بكل الشوارع التي كانت شاهدًا يومًا ما على مأساته الشخصية وبدء معاناته. تلك الأمكنة تتحول إلى محطات زمنية. كل محطة تقوده وتسلمه إلى أخرى. وبذلك حوّل هشام مطر جغرافيا مدينة لندن إلى خريطة مليئة بذكريات وذاكرة ليبية.

الزمن عند هشام مطر في (أصدقائي) مكثف جدًا بحيوات وأنفاس ومعاناة الشخصيات الثلاث في تداخل علاقاتهم وتشابكها بينهم. وخطوات الراوي «خالد» في رحلة العودة إلى البيت ليلًا هي خطوات مكانية تتحول إلى خطوات في رحلة لاستعادة الزمن: (ألا يذكر ذلك ببطل رواية الفرنسي مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود؟) الزمن في رواية (أصدقائي) ليس بطيئًا ومضجرًا كما عند جويس في (يوليسيس).

هشام مطر عمد إلى توثيق أحداث تاريخية مهمة في تاريخ ليبيا الحديث، لكنه لم يحكِ التاريخ، مثل مؤرخ، في ترتيب زمني، بل اختار شوارع لندن لتتولى حكايته. التاريخ والجغرافيا يلتقيان في ذاكرة الراوي. الجغرافيا تأخذ دور من يضيء الطريق أمامنا لنرى ونسمع التاريخ.

هشام مطر في روايته (أصدقائي) جعل للزمن في لندن قدمين ليبيتين، تجوبان شوارع منفاه البارد. وبطله «خالد» ظلّ طوال السنين يحمل مثلنا في قلبه دفء بلاد حلمنا نحن معه في المنفى - الداخلي والخارجي- بأمل أن تصبح وطنًا يسعنا جميعًا باختلافاتنا ويكونَ حريصا علينا وبنا رؤوفا رحيما. لكن حلمنا اغتيل في المهد. والفاعلون ليسوا مجهولين. وفي الحزن على الحلم المؤود والحسرة على الوطن المفقود بقي الليبيون جميعًا في وضعية الراوي «خالد» معلقين بخيوط في الهواء.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»