في مقالة منشورة بالصفحة الثقافية في جريدة «الشرق الأوسط»، نشر الكاتب محمد أمير ناشر النعم، بتاريخ 19 يناير 2026، مقالة عرض فيها كتاب «رسالة اللاغفران» للكاتب والشاعر السوري الصديق حسام الدين محمد. بدأ الكاتب مقالته على هذا النحو: «يُقال في علم عناوين الكتب (Titology) كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب، هرعت العناوين لإنقاذنا».
كتاب الفنانة التشكيلية المصرية هبة خليفة المعنون «عين النمرة» كان استثناءً لتلك القاعدة؛ إذ نويت الكتابة عنه عقب اطلاعي عليه، وبدلاً من أن ينقذني العنوان، أوقعني في حيرة ولَبس. «أم عين نمرة» هو الأصل في التعبير الشعبي المصري لوصف امرأة أو فتاة بـ«البجاحة». أقرب التعابير الشعبية الليبية قُرباً إليه تعبير «عيشة راجل». الفنانة هبة خليفة استعارت التعبير الشعبي المصري بتعديل طفيف، وجعلته عنواناً لكتابها.
كتاب «عين النمرة» وقعت نسخة منه بين يديَّ لدى زيارتي الأخيرة إلى طرابلس، خصّني بها هديةً صديقي الفنان التشكيلي المرموق عمر جهان، وتحمّل مشكوراً عبء إرسالها على حسابه من مدينة مصراتة، فله جزيل الشكر.
هناك ثلاثة احتمالات ممكنة تسكن ذهن غير المصري لدى سماعه التعبير المذكور أعلاه لأول مرة. الاحتمال الأول: اعتقاده أن التعبير قُصد به المديح والإطراء لوصف امرأة بالجرأة والشجاعة تشبهاً بالنمرة. الاحتمال الثاني: ألا يخطر بباله أن التعبير قُصد به الذم (البجاحة) وليس المدح. الاحتمال الثالث: أن تأخذه حيرة تسلمه إلى فضول، ويبدأ وقتياً البحث عن معنى التعبير لاستيعابه.
في علم القانون يقولون: «الاعتراف سيد الأدلة»، وأنا أعترف أن حبي للفن التشكيلي وصداقتي الوطيدة بالعديد من مبدعيه لم يجعلا مني خبيراً بتفاصيله، أو ناقداً على علم ودراية بعوالمه وفك رموزه. لكن هذا، في الوقت ذاته، لم يكن حائلاً بيني وبين الاستمتاع بما يقدمه مبدعوه، أو الحرص على اقتناء لوحات وصور وتزيين جدران بيتي بها، ربما تذكيراً لي وتعويضاً بما أتمنى وأفتقد من موهبة.
«عين النمرة» كتاب متميز لفنانة تشكيلية عرفتها سماعاً عبر أحاديث هاتفية مع صديقي الفنان عمر جهان، وهي كما تبين لي في التعريف بالكتاب، فنانة تشكيلية «متعددة الوسائط». يحتوي الكتاب نصوصاً لا تقل جمالاً وأناقة عن لوحاتها وصورها، رغم ثقل آلامها ونزف جراحها.
تلك النصوص تحديداً استغرقتني أكثر من اللوحات والصور، نظراً لأواصر العلاقة التي تربطني بالحرف والكلمة، وهي التي أدين لها بالفضل كونها فتحت أمامي الأبواب لأدخل عالم هبة خليفة التشكيلي بثقة العارف نسبياً لا الحائر. قرأتها أولاً، وحسناً فعلت، فكانت المفتاح الذي مكنني من فتح ما وُصد أمامي —لانعدام الخبرة والمعرفة— من أبواب، والجسر الذي أوصلني إلى عوالم هبة التشكيلية لأرى «عين النمرة» وجهاً لوجه، وأستوعب بألم وتعاطف تضاريس فنها/ حياتها بتفصيل محزن.
النصوص العربية في الكتاب ترجمت إلى اللغة الإنجليزية، ولفت انتباهي أن عنوان الكتاب باللغة العربية «عين النمرة» تُرجم إلى الإنجليزية «Tiger’s Eye»، وترجمتها «عين النمر» (المذكر)، وهي في رأيي غير دقيقة، والأصح هو «Tigress’s Eye».
«عين النمرة» مغامرة فنية متميزة، لوحات وصوراً ونصوصاً، أبدعتها فنانة تشكيلية أدركت، من خلال تجربتها الحياتية المؤلمة، أن الطريق الوحيد أمامها للتخلص من آلام الماضي يمر عبر مواجهته من الداخل وتصفية الحساب معه، على أمل أن تنقذ حياتها من براثنه وتتخلص من ثقل قيوده. ظهور الكتاب في هذه الحقبة الزمنية المعتمة يحسب لصالح الفنانة هبة خليفة ويصنف في خانة التحدي. هي حقبة معادية للمرأة على وجه العموم في مصر وغيرها من البلدان العربية، مدعومة سلطوياً ودينياً واجتماعياً.
الرجل/ الذكر يقف على رأس المتهمين، في قائمة طويلة من تركة ثقيلة حملتها هبة خليفة طفلة وشابة وامرأة وأم، وكُتب عليها أن تعيش في داخلها وتصيبها بإعاقة نفسية. ربما لهذا السبب، وكنوع من العلاج، عمدت هبة خليفة إلى المواجهة، أي بالثأر فنياً -إن أمكن القول- عبر «مسخ» وجوه الكثير من الرجال في صور الكتاب، بينما تكفلت النصوص المرفقة بكشف تفاصيل الحساب ورفع الحُجب عما بقي خفياً من المأساة. على العكس من ذلك، جاءت صور الإناث، وهذا رأي شخصي.
كتاب «عين النمرة» يتجاوز كونه مجرد تصفية حساب شخصية للفنانة هبة خليفة مع تركة ماضيها ومأساتها. هو في الحقيقة دعوة جريئة مفتوحة لكل منا لمواجهة مرآته الخاصة، ومحاولة نزع ما يكبله من أصفاد داخله، على أمل استعادة ذواتنا المفقودة. تلك الاستعادة تبدأ حين نقرر التوقف عن قبول ما فرض علينا من أدوار كضحايا على مذابح الماضي والبحث عن ذواتنا المسروقة واستعادتها. قد تتعدد الطرق والوسائل لتحقيق ذلك، إلا أن الفن بتجلياته كافة يظل، في رأيي، أبرزها، ويبقى دوماً الملاذ الآمن الذي تلجأ إليه الأرواح المنكسرة لترميم الصدوع والكسور.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات