Atwasat

محطات في طريق الحرير.. 4/5 العباءات الكهنوتية البرتقالية

محمد عقيلة العمامي الإثنين 09 فبراير 2026, 07:40 مساء
محمد عقيلة العمامي

في اللغة السنسكريتية والفلسفة الهندية، هناك مصطلح «الواحد المتنور» ويشير غالباً إلى مفهوم «براهمان» (Brahman)، الروح الكونية العليا المطلقة وغير المزدوجة التي تتحد مع الذات الفردية (أتمان)، وأبرز من تناول هذا المفهوم وناقشه هو الفيلسوف الهندي آدي شانكارا الذي أسس مذهب «أدفياتا فيدانتا» (عدم الازدواجية) في السنسكريتية، مؤكداً أن الواحد هو الحقيقة المطلقة، ولعل المصطلح (بو- صا) هو ما تحرف إلى بوذا، الذي يعتبر مؤسس الديانة البوذية التي انتشرت باتساع قارة آسيا وصار دعاتها يتميزون بأثوابهم البرتقالية الزاهية، يحرمون على أنفسهم قتل أي حيوان، وإن كان أتباعهم استثنوا الخنزير باعتباره أقل مرتبة من بقية الحيوانات.

وهناك من فسر (بو- صا) يعني لا للقتل، ولعلها الكلمة التي تحرفت منها بوذا، أساس الديانة البوذية، هذه الديانة ترى أن الأنثى عكس الموت باعتبار أنها واهبة للحياة، فحق لها أن تتمتع بأنوثتها كيفما تشاء فأوجدوا لها أعذارا تبرر سلوكها أما صلاتها فهي استمتاعها بفحلها! وإمتاعها له، أما ذروة ذلك تصل عندما ينام بعلها بين يديها! ومن هنا جاءت فكرة التدليك أو (المساج) الذي تتفنن فيه الأسيويات؛ غير أن هذا الفن صار بعد الغزو الغربي لجنوب شرق آسيا، ثم الأميركي لفيتنام مجرد شكل من أشكال الدعارة، وصارت (بانكوك) ملهى كبيراً لراحة الجنود العائدين من جحيم القتال، فاستثمر التايلانديون الفقراء برامج (المساج) وطوروا نواديه، وأضافوا لها المسابح والمغاطس، واستبدلوا ليف الغسل بنهود الفتيات! فصارت تلك النوادي مجرد مواخير للبغاء، تعلن مواقعها بأضواء لا تخطؤها العيون.

وتذكرت ذلك كله عندما ارتميت، كمنشف مبلول! فوق مقعد وثير في مواجهة حاجز زجاجي خلف حاجز زجاجي خلفه مدرج باهر الأضواء ممتلئ بفتيات في عمر الزهور عاريات إلا من قماشة ملونة بحجم منديلين حريرين، أصغر بكثير من الورقة التي سترت بها حواء ما يتعين أن يستر! وكل فتاة تحمل رقماً فوق صدرها، هو ما تحدد به طلبك فيستدعي لك مدير الصالة حاملة الرقم ويقودكما إلى غرفة معطرة خافتة الأضواء يخر في مغطس فسيح الماء، وتشرع هي في صلاتها إلى أن تغفو أنت بين يديها، تفوز هي بصلاتها وأنت ببركة دعائها، وهكذا ما ينتصف الليل حتى تكون الفتاة قد تعبدت عشرين أو ثلاثين مرة، فالأمر متوقف على مدى تدينها، وأيضا قوامها، وكسبت ما يساعدها على شراء ما تغطي به جسدها، عندما تغادر النادي عند منتصف الليل، بعد أن تكون قد تعبدت عشرين أو ثلاثين مرة، فالأمر متوقف على مدى تدينها.. وأيضا قوامها!.

منذ حوالي ثلاثين عاما كنت قدر زرت بانكوك مترجما مع رفيق كان يبحث عن مصادر للحرير، وحينها لم تكن بانكوك متقدمة، ومتحضرة مثلما رأيتها في هذه الرحلة، كانت أكواخ الصفيح في كل مكان، ورأيت في ساحات هذه التجمعات.

وكانت مثل هذه النوادي متوافرة ولكنها لم تكن بهذا المستوى من الفخامة والنظافة، حينها كان بمقدور أن تدفع ثمن الفتاة وتأخذها معك أينما تشاء، وتستطيع أيضا حضور ألعاب المراهنات، فمثلا حضور برنامج مصارعة حسب اشتراطاتها، ونظم الصراع فيها وقوانينه، التي منها ما يصل حد الفوز ليس بإعلانه من حكم المباراة، بل بموت أحد المصارعين، ولم تُمنع هذه المصارعة ورهاناتها إلا أخيرا، وكان بمقدور المرء أن يشترى فتاة من أهلها! صحيح أنه يتزوجها بعقد وشروط ولكن قد يتركها هكذا أو قد يأخذها معه. ولكن ما رأيته في هذه الرحلة كانت الدولة قد قامت وانتصر الفيتناميون ووصل إنتاجهم من السلع المعمرة ما هو مطروح في شارعنا! كانت مرحلة قاسية عليهم، ولم نحس بوطئتها عليهم ولكنهم قاموا وأصبحوا، وعلى سبيل المثال، أفضل مصنعي نضائد السيارات ومعظم سياراتنا تسير نضائدهم! هذا ما عرفته أنا شخصيا، وبالتأكيد هناك الكثير من السلع التي تميزت بها من بعد استقلالها ومغادرة الغزاة من أراضيها، وأصبحت تسوق، في بلاد الغزاة الذين فشلوا في السيطرة عليها وغادروها!

صارت بانكوك عاصمة بناطحات سحب، وأسواق ومولات، وبواخر تبحر بمنتجاتهم المتنوعة للعالم كله! فكيف حدث ذلك؟ إنهم يقولون: «إن العالم صار كقرية صغيرة، تتحرك فيها كما تشاء، والناس فيها تعلموا من جيرانهم، وصارت مؤسساتهم المدنية تحارب كافة الظواهر التي تقلل من قيمة الإنسان، وتهين كرامته، ويقول علماء اجتماعهم: حارب الفقر فتختفي العاهات الاجتماعية، وتايلاند حاربته بجد وصبر وقوة، رأيتها وهي تصارعه، ورأيتها بعدما انتصرت عليه، ورأيتها بعدما أصحبت جزءًا فعالاً في العالم وتأثيرها وصل الذين استعمروها ذات يوم أن قالوا: «حاربنا من أجل حريتنا، وحاربنا مسببات فقرنا، ومغبات عادتنا ووضحنا أنه يجب ألا نقتات من عرض فتياتنا في واجهات زجاجية.. حاربنا من أجل إنسانيتنا فانتصرنا».

أنا أكتب هذه الفقرة لأنني منذ حوالي ربع قرن أوفدت مع وفد لمناقشة الفيتناميين، بناءً على طلبهم، لسداد قرض تسلموه من ليبيا، ساعدهم في حربهم لنيل استقلالهم، وهم من اقترحوا سداده من منتجاتهم، وبالفعل وجدنا ما يستحق قبوله، فلقد كانت منتجات جيدة للغاية وكان ثمنها في متناول الناس، وللتاريخ أرى أنه من واجبي أن أقول: «إن تسويته كان عرابها رجلاً نقياً وشريفاً وصادقاً ولم يتشوه مطلقا لا في ذمته ولا في دينه ولا قناعاته، على الرغم من توليه مناصب قيادية عديدة، إنه الأستاذ مفتاح كعيبة كان حينها أميناً للثروة البحرية، وهو من شكل وفدا رحم الله من رحل منهم ومتع الأحياء بالصحة والهناء. فنفذوا المهمة بذمة أشهد الله أنها كانت نادرة، رئيسها كان الأستاذ المرحوم عوض بن موسى، رحمه الله».
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»