Atwasat

غمد الـ(سيف) الأخير.. رحيل رمز وثبات المعنى

طارق القزيري الأحد 08 فبراير 2026, 01:04 مساء
طارق القزيري

«في عالمٍ مقلوب، يصبح الحقيقي لحظةً من الزائف»، كتب غي ديبور. وفي ليبيا، صار الاسم أكبر من صاحبه. حين سقط سيف الإسلام القذافي (1972–2026) في محيط الزنتان، تكرّر مشهد الأب: قتل بدقة تكشف معرفة سابقة بتحركاته. لم يكن مجرد موت رجل، بل سقوط آخر رمز يختزل حقبةً بأكملها.

الرموز، في المجتمعات المنهارة، تصبح بدائل عن العقد الاجتماعي. هكذا عاش سيف: ليس كقائد تنظيمي، بل كفكرة تتأرجح بين خوف خصومه ورجاء أنصاره. ما وصفه بيير بورديو بـ«احتكار الدولة للعنف الرمزي الشرعي» انقلب في ليبيا إلى احتكار الأسماء للخوف، حين غابت الدولة نفسها.

انهيار تيار سبتمبر
قُتل دون إعلان عن ضحايا آخرين. هذا النمط يطرح السؤال الأصعب: من فتح الطريق؟ تصفية شخصية بهذا الثقل الرمزي لا تحدث في فراغ، بل تفترض شبكةً من التواطؤات والمصالح المتقاطعة.
لم يبنِ سيف بنيات حزبية، لكنه كان الخيط الأخير الذي يجمع شتات أنصار نظام سبتمبر. رحيله يوضح حقيقة هذا التيار: ليس كتلةً سياسيةً صلبة، بل ذاكرةً جماعية بلا خريطة طريق.

وحين يزول الرمز الجامع، ينطبق منطق ستيفن والت في «توازن التهديد»: التحالفات تتفكك بزوال التهديد المشترك الذي كان يبررها. الأرجح أن يتشظّى التيار إلى ولاءات قبلية متنافسة، أو أن تصعد واجهة هشة تفتقد الشرعيتين اللتين احتكرهما: شرعية الدم وقداسة الاسم.
الأثر الأعمق قد يظهر في العلاقة بين الدبيبة وحفتر.

لطالما استخدمت الأطراف خطر عودة النظام السابق لتبرير بقائها. وبسقوط هذه الذريعة، يجد الطرفان نفسيهما في مواجهة أكثر مباشرة حول الميزانية والنفط والمصرف المركزي.
حتى في الموت، تحولت ترتيبات الجنازة إلى مرآة تعكس الانقسام: تسهيلات في طرابلس، صراع على مكان الدفن، وحكومتان تتفقان ضمنيًا على أمر واحد: لا أحد يريد أن يرث عبء سيف الإسلام.

سيف والأب: قدر سياسي
أكثر ما يطارد سيف هو أبوه، لا كصلة دم، بل كقدر سياسي. كان فكرةً أكبر من اسمه: أن النظام يمكن أن يغيّر جلده من الداخل. منذ أواخر التسعينيات، ظهر بوصفه الوجه القادر على الوقوف أمام الغرب دون اعتذار، وأمام الداخل دون انقلاب على أبيه.

هنا، يكشف ميشيل فوكو طبيعة المعضلة: «السلطة ليست مؤسسة ولا بنية؛ إنها اسم يُطلق على وضع استراتيجي معقّد داخل مجتمع». في ليبيا، كانت السلطة بنيةً شخصية تتحرك بمنطق الولاء لا القانون. وسيف، في محاولته الإصلاح، كان يريد إدخال المؤسسات إلى فضاء لا يؤمن بها.

في العلن، كان الأب هو الشمس التي لا ينازعها أحد، وفي الظل كان الابن أقرب الأبناء إلى طاولة القرار. لكن هذا القرب لم يكن امتيازًا بقدر ما كان قيدًا. هذا التوتر صنع شخصيته: يبدو إصلاحيًا، ثم يعود فجأة ليتكلم بمنطق السلطة نفسها حين تهتز.

لحظة 2011: سقوط القناع
جاءت فبراير 2011 كاختبار نهائي. في لحظة الانهيار المحتمل، لا يعود النظام بحاجة إلى الواجهة، بل إلى الحارس. ظهر سيف بخطاب متوتر، مليء بالتهديدات، بلغة تعيد إنتاج منطق الدولة الأمنية التي كان يقول إنه يريد إصلاحها. في تلك الليلة، سقطت المسافة بينه وبين أبيه في نظر كثيرين. تحوّل من «مرشح تحديث» إلى «رمز إنكار».

بين السجن والترشح
بعد 2011، وجد نفسه أسيرًا في الزنتان. سنوات الاحتجاز حولته إلى علامة على سؤال واحد: هل يعود النظام السابق؟ وحين عاد كمرشح محتمل في 2021، لم يعد مجرد شخص يسعى إلى منصب، بل شبحًا يختبر هشاشة الدولة الليبية.

المأزق الجوهري
عقدته الجوهرية أنه يريد شرعيةً جديدة، لكنه لا يملك طريقًا إليها خارج شرعية الأب. يريد القطيعة مع منطق الأمن، لكنه لا يستطيع تجاوزه. يريد فتح أفق جديد، لكنه يدافع عن بنية تغلق الأفق. هنا، يصدق قول أنطونيو غرامشي: «الأزمة تتمثل في أن القديم يموت، والجديد لا يستطيع أن يولد». كان سيف تجسيدًا لهذه الأزمة: لا هو قطع مع الماضي، ولا هو تمكّن من صياغة مستقبل بديل.
حاول أن يكون جسرًا بين عالمين، لكن الجسور، في زمن الانهيار، تسقط أولًا.

من الاستعارة إلى المؤسسة
تأتي تصفيته، وقد بلغ الثالثة والخمسين من عمره، لتدوّي بوصفها الفصل الختامي من «التراجيديا القذافية». الابن الذي أراد إصلاح النظام من الداخل انتهى ضحيةً للمنطق نفسه الذي حاول ترويضه.
لكن السؤال الذي يطرحه موته لا يتعلق فقط بمستقبل تياره، بل بقدرة ليبيا ذاتها على تجاوز منطق الانتقام.

وكما لاحظ دوغلاس نورث: «المؤسسات هي القيود التي يضعها البشر لتنظيم التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي». ليبيا، كي تخرج من الاستعارة، تحتاج إلى نقل المعنى من الاسم إلى المؤسسة، ومن الخوف إلى العقد، ومن النفوذ إلى الشرعية. وإلا سيبقى التاريخ يُكتب في الهامش: لا مجد يدوم، ولا خوف يدوم، بل دوران لا ينتهي بينهما.
وحين تعجز الدولة عن صناعة معنى جامع، يصبح القبر آخر ساحات الصراع.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»