طُلب مني الحديث عن الأستاذ الجليل الدكتور محمد مسعود جبران في ذكرى وفاته الثامنة، وأنا ممن يصعب عليهم أن يكتبوا إذا ما استكتبوا، فالكتابة عندي إنما تكون بدافع داخلي وليس بدافع خارجي، على أن الكتابة عن الدكتور جبران لا يعوزها الدافع في أي وقت وحين، داخلياً كان أم خارجياً، فيكفى أن يذكر اسمه الكريم، حتى تنهال على الخاطر كلمات وكلمات، وعبارات وعبارات، بل قصائد ومقالات، يرويها القلب بعواطفه، ويغذيها العقل بروافده.
إن ما جرت عليه العادة في مثل هذه المناسبات أن يُرثى الميتُ بقصائد الرثاء المعهودة، وكلمات التأبين المعروفة، فالحي يتذكر مآثر الميت، ويعدد محاسنه، وقد يذهب بعيدا فيتمنى أن لو كان ذاك الميت ما زال حياً يرزق، فيبكي على موته، ويتألم على فراقه، وقد يستخدم كلمات من مثل: فارقنا المسكين وهو في أوج قوته، وغادرنا وهو في قمة عطائه، وما درى ذلك المتكلم الراثي من الأَولى بأن يوصف بالمسكين؟ أهو الناعي أم المنعي؟
إذا كان الموت يمثل نقطة تحول بين حياة وأخرى، فلاشك أن جبران قد انتقل إلى حياة أحسن وأفضل، كيف لا، وهو الذي قدم للعلم والأجيال ما قدم؟ كيف لا، وهو الذي ترك علماً وراءه ينتفع به؟ كيف لا، وهو الذي أسهم في صناعة أجيال من المتعلمين في أقصى الأرض قبل أدناها؟ كيف لا، وهو الذي سافر مرات عديدة إلى بلاد صعبة موحشة بعيدة من أجل نشر العلم والمعرفة؟ كيف لا، وهو الذي علمنا نحن تلاميذه الخلق الحسن قبل أن يعلمنا العلم النافع؟ كيف لا، وهو الذي ربانا بعمله قبل أن يربينا بقوله؟ كيف لا، وهو الذي هذبنا بابتسامته قبل أن يقومنا بحاد نظرته؟
لقد اجتاز جبران بوابة الموت ليلقى نعيم ربه بعد حياة زاخرة بالعلم الغزير، مفعمة بالخلق الكريم، ليتركنا في دار الابتلاء نصارع فيها امتحاناً صعباً نحسب أن الله تعالى قد أخرجه منه سالماً غانماً، ولا نزكي على الله أحداً، فمن أحق بالرثاء من الآخر؟ جبران الذي اجتاز الامتحان بنجاح؟ أم نحن الذين ما زلنا نخاف عواقبه؟
إني لأراه ينظر إلينا بعين المحبة والرأفة والرحمة، ويستبشر بنا أن نلحق به بلا خوف ولا حزن، وكأنه يقول لنا: لا ترثوني، ولا تخشوا عليّ، فأنا في مأمن هنا، اجتزت امتحاني بنجاح، إنما خوفي عليكم، ورجائي أن تلحقوا بي لتنالوا من هذا النعيم الذي منَّ الله به عليّ.
فالله الله يا جبران، الله الله يا حبيبنا، الله الله يا أبانا، الله الله يا أستاذنا، الله الله يا قدوتنا، الله الله يا معلمنا، الله الله يا مربينا، والله ثم والله، لنحن أحوج إليك لتذكرنا منك إلينا لنذكرك، فلو ذكرناك، فإنما سنذكرك عند بعضنا البعض، ولو ذكرتنا فستذكرنا عند رب رحيم اصطفاك لجواره، فمن منا أحوج للآخر؟ ألسنا نحن؟ ومن منا أنفع للآخر ألست أنت؟ ومن منا إذا تكلم فكلامه أنفع للآخر ألستَ أنت؟ ومن منا إذا ذُكر فمقام ذكره أفضل من مقام ذكر الآخر ألسنا نحن؟ فقل لي يا حبيبي أي الفريقين أشد نفعاً للآخر؟ أحياك الموت وقتلتنا الحياة، أحضرك الغياب وغيبنا الحضور. فأي الفريقين أحوج للآخر؟
ما نسيناك لنذكرك، وما غبت عنا لنفقدك، تفضلت علينا بعلمك ولا فضل لنا عليك، تكرمت علينا بواسع خلقك ولا مزية لنا عليك، نورت طريقنا بالعلم، وقلوبنا بالفهم، إذا ذكرناك يوما ومثلك يذكر، فلخصال حميدة فيك، وإنه لشرف لنا، وإن نسيناك يوما، ومثلك لا ينسى، فلتقصير ونقصان يعترينا، وإنها لمنقصة وعيب فينا، على أن القلم يعجز عن وصف خصالك، وذكر محسانك، فماذا عساه أن يقول من هو في مقامي عمن هو في مقامك، أيصف الشبل أسدا؟ أم تسابق الحمامة نسرا؟
يا جبران، والله ما رأينا فيك إلا كل خير، وما علمنا عنك إلا كل خير، اتفق الناس على مدحك وقل ما يتفقون، واجتمع الخلق على فضلك وقل ما يجتمعون، وحَّدهم رأيهم فيك حين اختلفوا في غيرك، وجمعهم حبهم لك حين تفرقوا بشأن غيرك، أنت نبراس وسراج، أنت نور ساطع ووهاج.
يا جبران، ناديتك فقلت: يا جبران، لم أستخدم لقباً ولا وصفاً، وأنت الأستاذ الأجل، والأب الفاضل الأكرم، ذلك أن فخامة اسمك تكفي، وجمال رسمك يضفي علينا من المهابة ما يضفي، اسمك فوق كل الأسماء، ووصفك فوق كل الأوصاف، علم أنت في مجالك، ومبرز أنت بين أندادك وأقرانك، وقدوة أنت لتلاميذك وأبنائك، حزت ما حزت فكان لك السبق، سيرة عطرة وذكر عبق، نورُ هداية، مكرمة من الله وآية، لك مني سلام... ما دام الله السلام.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات