جلست في بهو فندق من فنادق دبي الفخيمة، التي تطل على بحر العرب، فقدم لي نادل أنيق متبسما فنجان قهوة قائلاً: «إنها بالهيل..» أجبته متبسما، أيضا: «نحن، في ليبيا، بنسمي الهيل «حبهان».. ثم أضفت: وأحيانا «المستكة» وأيضا متسائلا عما يسمونها في الإمارات، فقال، وهو يضع طبقا به حبات تمر أسود اللون وزجاجة ماء: «مستكة أيضا، أو اللبان..». ولا أدري كيف خطر على بالي أن المرء يستطيع أن يشرب أي شيء في بهو فندق فخيم في أوروبا إلا قهوة بالهيل، ويمضغ معها أي شيء سوى تمر من تمور العرب! وتبسمت، متعجبا، لأني أحسست كأنني في أوروبا ولكن أمامي قهوة وتمور!
ولا أدري كيف خطر على بالي (الخديوي إسماعيل) الذي اعتلى عرش مصر، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أعلن أنه سيجعل من بلاده قطعة من أوروبا، وقد نجح إلى حد كبير في جعل (وسط البلد) قطعة من باريس، ولكنه أثقل بقية البلد بالديون، وانتهى الأمر بها مستعمرة يحكمها الملك فاروق من غرفة نومه.
نية الخديوي كانت صادقة، نابعة من قناعات قوية، ولكن الأمور لا تقوم بالنوايا الطيبة فقط، وإنما بتسخير القدرات، وبتكليف الخبرات، وفوق ذلك كله الانتباه إلى مسألة التراكم الثقافي وبناء الإنسان، فتحترم ثقافته من دون أن تجعل منها حجر عثرة في مسيرته، وفي مواكبته لمارثون العالم، الذي بدأ منذ أن صار مجرد قرية واحدة! هذا الاحترام هو ما رأيته في دولة الإمارات، وفي (دبي) تحديدا، التي كنت قد زرتها سنة 1966 في طريق عودتي من طوكيو، وكانت مجرد شارع واحد مترب، غير معبّد، وفندق لم أمكث فيه سوى ليلة واحدة، ثم زرتها ثانية سنة 1975 وتعجبت من عساكر الجوازات، كانوا فيما بدا لي هنوداً، أو من باكستان، أو بنغلاديش، وكذلك الشرطة التي تجوب المدينة. ولم أر إمارتيا واحدا في الشارع. المحلات تدار بجنسيات آسيوية، وزبائنهم أيضا. وقامت على جوانب ذلك الشارع المترب عمارات حديثة. ثم زرتها سنة 2007 واستقبلني مسؤولو الجوازات والمهاجرة بمنتهى اللطف والأدب، وبأسلوب حضاري راق، سواء في المعاملة أو في تذليل الإجراءات. هذه المرة كانوا شبابا من دولة الإمارات العربية المتحدة.
وبعدما دخلت البلاد، بل من المطار انتبهت أنها ليست المدينة التي زرتها حوالي 32 عاما مضت، عندما كانت القاهرة وبيروت قبلتين للعرب كافة. حينها وجدت بها أطول برج في العالم - ارتفاعه 750 مترا – وأكبر جبل جليدي صناعي، للتزلج في العالم، وأبراجا متراصة بشوارع المدينة الرئيسية! والشارع يعج بالجنسيات كافة، في المراكز التجارية، ودور الخدمات وسيارات الأجرة، وبامتداد الشوارع الفسيحة ورش عمل تعمل طوال النهار، تنتج مستلزمات تشييد الأسواق المجمعة، ومتطلبات الإعمار، وتنتشر العمالة الآسيوية في المرافق الخدمية كافة، فيما تنطلق الجنسيات الأوربية طاوية الخرائط تحت أذرعها باتساع مراكز البناء والتشييد، ففي دبي، مثلما تقول إحصائيات العمالة الوافدة أنها عالية، وتشير أن عددها 204 جنسيات، أما الشيء المبهج هو وجود شباب الإمارات في معظم المراكز القيادية خصوصا في مشاريع الإعمار، وتشعر أنهم ليسوا مجرد عرب يتزينون بالشماغ أو (العقال)، كما نسميه في ليبيا، ويجوبون - كما يصورهم الإعلام المعادي!- صالات القمار والنوادي الليلية، وإنما شباب مؤهل يعمل بجد وعزيمة على تأسيس دولة حديثة.
والتقيت في مناسبة، بشاب إماراتي تحدثنا في مواضيع عديدة قال لي، فيما قال: «نحن نعلم أن الشيخ زايد رحمه الله، زار بلادكم، في سبعينيات القرن الماضي، وأعلن أنه يتمنى أن تصير الإمارات مثل طرابلس» فأجبته: «وقد تحقق له ذلك، بل تجاوزتنا بلاده في مجالات عديدة !» وسألته إن كان بمقدوره أن يخبرني كيف تحقق ذلك في هذه الفترة الوجيزة؟ فقال: «لقد أعطينا الخبز لخبازه، لأننا استعنا بالخبرات الرائدة، ولم نبخل بالصرف على بلادنا..» صمت قليلا ثم استطرد: «شارع الشيخ زايد بالغ الأهمية، فهو يربط طرفي دبي، وحركة المرور فيه مزدحمة للغاية، ولعلك انتبهت إلى ذلك عند مغادرتك المعرض يوم أمس. حسنا، الشيخ محمد حاكم البلاد كلف هيئة دولية متخصصة في تنظيم المرور، فاقترحت بعد دراسة، أن توسيع الشارع، أو تشييد قطار معلق، أو مد جسور من شأنه أن يحل المشكلة، فسألهم: «يعني أحد هذه الحلول ينهي مشكلة الازدحام..» فأكدوا له ذلك، فأمر بتنفيذ الحلول الثلاثة، وليس واحد منها فقط!.. «فكيف، بالله عليكم، لا تنتهي المشكلة بمثل هذه القرارات الحاسمة في أي بلد كان؟».
قد ينبهر المرء عند زيارته الأولى للإمارات، بالأبراج العالية والفنادق الفخمة و(المولات) وتخطيط المدن والمحلات، ولكن المبهر الحقيقي هو نجاحهم الكبير في بناء المواطن، الذي يحس الزائر بحسن تعليمه وسلوكه، وعند تتبعك لصحفها والانتباه إلى سلوك شبابها، ستكتشف أن سبب ذلك هو الفرص المتاحة لهم كافة، خصوصا لمن يجتاز المرحلة الثانوية، فالإيفاد للدراسة في الخارج متاح لكافة مواطنيها، ناهيك عن عدد المعاهد والجامعات التي تستقطب كل الاكاديميين من كافة أنحاء العالم، كذلك اهتمامها الواضح باللغات والثقافة العامة، وتنتبه إلى أن ما تخصصه لها دولة الإمارات يفوق ما تخصصه الدول العربية الأخرى، ويخطئ من يرجع ذلك لثراء الإمارات فقط، لأن السبب الحقيقي هو تخطيط لا يسمح بخلل قد يفسد تطورها المحلى والخارجي.
ولقد جمعتني فرصة نقاش مع محلل اقتصادي، نرويجي، مقيم ويعمل في دبي، فعرفت منه أنه من أهم أسباب تقدم الإمارات وازدهارها، هو متابعتهم للمغتربين الذين يعملون في بلادهم، وتأكيدهم على قناعتهم بأنهم من أولئك الذين يرون أهمية نجاحهم في غربتهم، فذلك يمكنهم من العودة إلى بلادهم متميزين، وتنال الإمارات بذلك ثمار إخلاصهم لعملهم، وحكومة الإمارات حريصة على أن ينال المغتربون ثمار جدهم وإخلاصهم، وبالطبع ذلك يعكس على نحو واضح مدى حرص دولة الإمارات على حقوق وأمن واستقرار الوافدين إليها، ثم إن التنافس الشريف يخلق نتائج مفيدة للطرفين.
وهذا يتضح في العاملين في سنغافورة وجنوب أفريقيا، ففي دبي وحدها، في سبعينيات القرن الماضي، أكثر من 204 جنسيات، تعمل في المجالات كافة، فمثلا الذين يعملون في مجالات المعمار، مهندسون مؤهلون نسبة كبيرة منهم أوروبيون، هيئوا لهم أماكن لا تختلف عن مكاتبهم في بلادهم، أما العمالة التي تنفذ مخططات أولئك المهندسين فينتقونهم من بيئات لا يختلف طقسها عن طقس الإمارات، فمن يستطيع أن يعمل في حرارة الإمارات إلا من ولد وعاش في بيئة تشبهها؟ وقس على ذلك بقية المهن. سواء أكانت خدمية أو إنتاجية أو تنفيذية.
والحقيقة أن الإمارات وظفوا عقول العالم للتخطيط لهم، ولم يبخلوا عليهم في حقوقهم، فتفانوا في مهامهم وقدموا الأفضل، فنالوا امتنان المواطن وحكامه. ولم تبخل حكوماتهم، التي لم تستأثر بثروات ومقدرات بلادها ولم تنفقها على نزوات القائمين عليها، فمعدلات الفساد الاقتصادي، مثلا، هي الأقل قياسا لدول مشابهة!
إن الحديث عما حدث، وعما سيحدث في دبي، لا يفوقه عجيب، وما يفوقه عجب سوى ما سيحدث فيها، لأن دراسة ما يخططون له لم تنشئها دوافع سياسية أو انفعالية، وإنما تتخلق من دراسات همها مصلحة البلاد ومواطنيها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات