Atwasat

حوار البعثة: حل أزمة ليبيا أم مسايرة القائم بالممكن؟

طارق القزيري الخميس 18 ديسمبر 2025, 01:03 مساء
طارق القزيري

في قلب الأزمة الليبية المتشعبة، تطل بعثة الأمم المتحدة مرة أخرى بـ«حوار مهيكل» جديد، تقدمه كمنصة إنقاذ ومسار نحو الحل. لكن بين ثنايا الوثائق الأممية المعيارية، واللغة الدبلوماسية المعلبة، يبرز سؤال جوهري: هل يمثل هذا الحوار فعلاً طوق النجاة المنشود، أم هو مجرد «آلية بقاء» لذات المؤسسة الدولية تحاول تبرير وجودها في فوضى لا تملك أدوات حسمها؟

هنا، نحن إزاء أكثر من مجرد عملية تفاوضية؛ إنها اختبار لفجوة الخطاب عن الواقع، وللدور الحقيقي للمؤسسات الدولية في الصراعات المعقدة: هل هم صنَّاع حل، أم فقط مديرو أزمات؟

من وعد الحل إلى تبرير الدور
نعتمد هنا على الوثيقة الحاكمة التي أصدرتها البعثة، بخصوص الحوار المذكور، وقراءة صياغات الوثيقة، لا تستقيم إذا تعاملنا معها كخطة حاسمة لحل الأزمة. وهو الافتراض الذي ينتظره العامة وحتى النخبة، بشكل غير مبرر، في ظل اختلال ميزان القوى محليًا، وتناقض أجندات الإقليم وتذبذب تماسك العواصم الغربية.

البعثة عموما، قد لا تستهدف الحل بالضرورة، لا لأن ذلك «نية سيئة»، بل لأنه خارج إمكاناتها بالأساس، وقدرتها البنيوية على فرض حل محدودة.

ومع ذلك فهي تحتاج، بوصفها جهازا أمميا، إلى بناء مسوغات عملها وتبرير وظيفتها المهنية أمام مجلس الأمن والدول الممولة، والرأي العام الليبي، وتوسيع «إمكانات تدخلها» لاحقا إذا انفتحت نافذة سياسية.

هذا التمييز يردنا إلى نقد أساسي: خطر الإفراط في تحميل البيانات مقاصد أكبر من وزنها. كثير من لغة الأمم المتحدة معيارية ومعلبة: «الشمول، الملكية الوطنية، الشفافية، بناء التوافق».

قوالب أممية وليست وظائف سياسية
هذه مصطلحات تقال وتكتب وتصدر في ليبيا، كما تكتب في نزاعات أخرى. لذلك لا ينبغي تحويل كل عبارة إلى تصميم استراتيجي محكم. لكن، حتى حين تكون العبارة قالبا بيروقراطيا، فهي تؤدي وظيفة سياسية في سياق محدد.

ليس المطلوب إثبات نية مبيتة. الصياغة لا تقول إن البعثة «تدير» ليبيا، لكنها تقول إنها تعمل وفق معايير أممية، وتمنحها أيضا أدوات لتبرير استمرارها: نحن لا نفرض شيئا، نحن نيسر النقاش، ونحن نوسع المشاركة العامة، ونحن نبني توافقا وطنيا....الخ.

ميكانيكا السيطرة الناعمة
ومن هنا تظهر ما يسمى في علم السياسة الحديثة «ميكانيكا السيطرة الناعمة» بوصفها ممارسة إدارية طبيعية أكثر من كونها مؤامرة.
عندما تقول الوثيقة إن البعثة تشارك في رئاسة الجلسة العامة وتيسر اجتماعات الفرق، وتوفر الأمانة العامة والدعم الإعلامي واللوجستي والخبرة الفنية، فهي لا تعلن سيطرة صريحة، لكنها تمسك مفاتيح العملية التي تسمح لها بالبقاء فاعلا، حتى دون قوة على الأرض.

البعثة هنا تقوم بالتحكم في تدفق المعلومات وترتيبها، والتوثيق «الدقيق والمتزن» يعني تقليص قدرة الأطراف على صناعة سرديات متضادة عبر تسريبات انتقائية. هذه ليست عبقرية خارقة، بل منطق مؤسسة: الموظف الأممي الذي لا يملك قوة تنفيذ يحتاج إلى قوة إجراء وسرد.
غير أن النقد الأهم يظل غياب الفاعل المحلي إذا قرأنا الوثيقة كفعل أممي - غربي صرف.
في الواقع، مثل هذا الإطار لا يعيش يوما واحدا ما لم يجد «قابلية قبول» لدى أطراف محلية، حتى لو كان قبولها انتهازيا.

مصلحة الفاعلين الليبيين في الدخول ليست أبدا إيمانا بالحل، بل غالبا: تخفيف ضغط دولي عبر إظهار التعاون، شراء وقت داخل دورة سياسية مسدودة، فتح قناة للتواصل مع الخارج من دون تنازل حاسم، أو محاولة تشكيل المخرجات تدريجيا لصالحهم.

الفاعل المحلي وكلفة التعطيل: حياد النص وتحديد المعرقل
الإطار الأممي هنا يتحول إلى ساحة مناورة: البعثة تريد مسارا يثبت حضورها، والأطراف تريد مسارا يخفف الكلفة أو يعيد ترتيب المواقع. هذا يقود إلى النقطة التي بدت متناقضة في قراءة سابقة: كيف تكون الوثيقة «لا تسمي أطرافا» ثم تكون «أداة لرفع كلفة التعطيل»؟
حل هذا التناقض في التفريق بين النص والممارسة. النص يتجنب التسمية كي لا ينفجر المسار من البداية، لكنه يبني معايير عامة: دعم الانتخابات، توحيد المؤسسات، توصيات توافقية، مبادئ سلوك، شمولية.

الفكرة ببساطة:
عندما يتفق المجتمع الدولي - ذات يوم وإن حدث ذلك فعلا - على معايير معينة (مثل إجراء انتخابات أو تحقيق توافق وطني)، يمكن استخدام هذه المعايير كـ«سلاح سياسي» ضد من يرفضها. مثلاً: أي طرف ينسحب من المفاوضات أو يعرقل التنفيذ، يُوصَف فوراً بأنه «ضد السلام» أو «ضد الديمقراطية». وهذا يعزله دولياً ويضعف موقفه.
لكن هناك شرط أساسي: هذا «السلاح» لا يعمل تلقائياً. يحتاج إلى: موقف دولي موحّد وثابت، أو استعداد فعلي للضغط (عقوبات، عزل دبلوماسي، إلخ) المشكلة الحقيقية:
والأكثر دلالة في الوثيقة هو هندسة الزمن. إطار 4 إلى 6 أشهر مع توزيع النتائج بين «قضايا ملحة» لتهيئة بيئة الانتخابات و«مظالم وأسباب جذرية» على المدى المتوسط والطويل، ينتج مخرجات سريعة قابلة للتقديم كدليل تقدم، ومخرجات بعيدة قابلة للاحتواء والتأجيل.

إنها ببساطة براغماتية مؤسسية: تكفي لإقناع العواصم الغربية أن هناك حركة، وتكفي لإقناع الداخل المتصارع أن لا حسم فوريا يهدده. البعثة تدافع عن نفسها وظيفيا في النهاية.

بهذه الآلية يصبح «الحوار المهيكل» أقرب إلى أداة تشغيلية: يثبت وظيفة البعثة، يخلق مساحة قبول محلية، يراكم لغة بمعايير مقبولة، يمكن توظيفها لاحقا، ويدير تناقضات الإقليم والغرب عبر عناوين عامة لا تسمي الخاسر.
لنتذكر هنا اللجنة الاستشارية القانونية، التي انعقدت واجتمعت وناقشت وأوصت، وتلاشت مخرجاتها، بما فيها من كفاءات، كذلك، أو أجلت ليوم يقولون إنه «قريبٌ، ونراه بعيدا».

المسارات الأممية هي عوامل بقاء أيضا للبعثة وظيفيا، وتوفر سردية دولية بخيرية وإنسانية الاهتمام، وإن أدت لشيء، لاحقا، بعد تغير التوازنات، فهو المطلوب.
الحوار المهيكل ليس مطلوبا منه أن يحل الأزمة، لكنه يمنح بعثة الأمم المتحدة شيئا ضروريا لبقائها: سردية أن لديها عملية، وأنها تبني شروطا، وأنها تملك، على الأقل، القدرة على تنظيم المشهد حين تعجز عن تغييره. إنه سلوك وظيفي بيروقراطي متكرر، من موظفين يطمعون أيضا - وربما هذا من حقهم ولسوء حظنا أيضا - لتحسين سيرتهم الذاتية، لوظيفة قادمة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»