مقهى بسيط يتبع فندقا متواضعا في حي المهندسين بمدينة القاهرة، ولكن هذا المقهى يحمل ذكريات لا تنسى.. فقد شهد الكثير من لقاءات الليبيين المقيمين في مصر منذ أيام المعارضة للنظام السابق وحتى وقت قريب، ولكن منذ سنوات انفرط عقد آخر مجموعة كنت ألتقيها هناك.. مقهى بسيط وعدد العاملين فيه قليل على الرغم من تداولهم على الخدمة، ولكن جميعهم يعرفوننا ونلقى منهم كل احترام.. الطلبات معروفة.. نسكافيه باللبن أو شاي أو قهوة عربية.. مع زجاجات مياه.. وبمجرد وصول المجموعة الرئيسية «أحمد الفيتوري، وكاتب السطور، وبشير زعبيه، ومحمد الشكري، وعلى الشيباني»، يعرف النادل أننا في حاجة (لأطباق فارغة) لأننا نحضر معنا (السامينسة والكاكاوية) أو ما نطلق عليها «الشقاشق» لزوم الجلسة، ويتم توزيع الكمية على الأطباق وأحيانا تكون الغلة مميزة باحتوائها على اللوز إن حضر معنا صديق مقتدر.. تأتي الطلبات، ويبدأ الحوار والنقاش حول قضايا الساعة في المشهد السياسي ولا يخلو الحديث من بعض النكات والقفشات.. عندما تكون الأحداث ساخنة تسيطر على مجرى حديث الجميع وتظهر المحاولات لتقديم الحلول والمقترحات والآراء.. كثيرة هي الشخصيات التي التقيناها في هذا المكان باختلاف توجهاتها، والذاكرة لا تحيط اليوم بكل الأسماء ولكني أتذكر منها لقاء مطولا مع المرحوم الفنان محمد مرشان والفنان علي ماهر وكان الحديث يدور حول مسيرتهما وذكرياتهما وأجابا عن أسئلة المتواجدين حينها والتي تدور حول مسيرة وحالة الفن في بلادنا، أذكر أيضا جلسة مفعمة بالحوار الجاد الممتع مع القاص عمر الككلي ولقاء مع محمد الدايري وزير الخارجية السابق، والمحامي عبدالحفيظ غوقة.. ولقاء ممتعا مع الأعزاء حسن الأمين، ومحمود شمام، ومحمد بويصير، وفضيل الأمين، وحمودة سيالة، وشكري السنكي.
كما التقينا كلا من رضا بن موسى، وأحمد إبراهيم الفقيه، والأستاذ عبدالقادر غوقة، وإدريس الطيب، وإدريس المسماري، وزياد علي، رحمهم الله.
كانت القضايا التي تطرح آنذاك تشمل الدستور والاتفاق السياسي والرؤية المستقبلية للبلاد وكانت الآمال وسقف الطموحات عاليا رغم الإخفاقات، كما كان القلق أيضا على مستقبل البلاد كلما حمي وطيس الصراعات والمماحكات السياسية المتكررة. ولكن لم يغب الأمل في مستقبل أفضل.
في بلادنا نفتقر إلى الصالونات الثقافية والمنابر السياسية ولم يبق لأهل الاهتمام بالشأن العام إلا لقاءات تتم في أماكن عامة، فمعظم مؤسسات المجتمع المدني ليس لها مقرات محددة، والمناشط الثقافية ما زالت تقتات على بعض الفضاءات في المدينة القديمة أو القبة الفلكية، وغيرها من الأماكن، وما زلت أذكر أيضا أن لقاءات عديدة جمعتني بمجموعة الأصدقاء النشطاء المثابرين في الجمعية الليبية للفنون والآداب في حديقة البلدية أو في أحد المقاهي بمنطقة الظهرة، ولكن يبدو أن لقاءات المقاهي ليست بسبب قلة الأماكن المخصصة لأهل الثقافة ولكنها ظاهرة موجودة في كثير من دول العالم، فهناك مقاهٍ شهيرة كانت مراكز لقاءات لأهل السياسة والمفكرين، مثل كافيه دو فلور (Café de Flor) في باريس الذي كان ملتقى السياسيين والمفكرين منهم سارتر، وسيمون دي بوفوار، وكارل ماركس، وكذلك مقهى (ليه دو ماغو) في باريس الذي كان منتدى النقاشات الفكرية والسياسية.. وكان كافيه سنترال (Café Central) في فيينا ملتقى السياسيين والاقتصاديين مثل تروتسكي وستالين، ونقطة تجمع للفكر الاشتراكي. وفى إسبانيا كان هناك كافيه جيجون (Café Gijón، مدريد) كان مقهى للسياسيين والأدباء مثل فيديريكو غارسيا لوركا، وملتقى للنقاشات الأدبية والسياسية. هذه المقاهي كانت فضاءات للنقاشات السياسية والفكرية، وتاريخها يعكس تأثيرها الثقافي والاجتماعي، ولا ننسى مقهى ريش في القاهرة الذي يعد من أبرز المنتديات الثقافية والفكرية في تاريخ مقاهي مصر، حيث شهد ندوات كبار المفكرين والكتاب والأدباء، مثل نجيب محفوظ والعقاد وأمل دنقل، وغيرهم، وبخلاف الدور الثقافي، كان هناك دور آخر وطني لمقهى ريش بدأ مع ثورة 1919 مع طباعة المنشورات ضد الاحتلال الإنجليزي.. وهناك من يرى مقهى ريش أحد قلاع الثقافة والوطنية في مصر، وكان له دور سياسي منذ نشأته وهو يضم صفوة الكتاب والمثقفين والصحفيين، وبالتالي أصبح المقهى مكانا لتبادل الأفكار والخواطر والهموم والأحلام ومناقشة المشكلات السياسية والاقتصادية بحثا عن مستقبل أفضل.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات