تحدث الكاتب الحاج محمد حنيش في كتابه «عبد الونيس محمود. إباء الرّجال وأعباء النضال» عن حياة عبدالونيس وخاصة تجربة الترحال بين قرى الجبل الجميلة القيقب وقرنادة والفايدية وعن وفاة والده المبكر وكذلك تجربة والدته المضنية حين تولت مهام الأب. في تلك المرحلة البائسة من حياة الليبيين جميعا. ففي أربعينيات القرن الماضي تراكمات الحرب والمعتقلات والمجاعات والبؤس الذي شاهده الليبيون في تلك الحقبة السوداء. وكيف كان يمشي للمدرسة حافي القدمين كيلومترات كل يوم؟، وذكر عبدالونيس في مذكراته التي نشرت في الكتاب أنه كان يريد معرفة لغز الكتابة والقراءة وأنه تفوق وتحصل في السنوات كافة على الترتيب الأول في المدرسة.
وانتقل فيما بعد للصف الثانوي بمدرسة توريلي في بنغازي وهي التي كانت منعطفا آخر في حياته، لأن بنغازي لها عالمها الآخر على الأصعدة كافة. جاء الفتى الغرّ إلى بنغازي ذاك الفضاء الكبير والمسافات الواسعة وعالم المدينة وضجيجها الصاخب، كان لا يعرف من السياسة شيئا، وكان مبهورا بما يرى. نقلة نوعية في عقل هذا الفتى الذي يمتلئ قلبه وعقله بوهج لا زال يتنامى داخليا. وأول مواجهة له كانت مع مقتل إبراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية حيث عرف يومها الاغتيال السياسي وما يجري من صراع في البلاد من تلك الحوارات التي كانت تُجرى في بنغازي.
التحق بمعهد المعلمين، وهي محطة مهمة جدا لأن التعليم كان جادا في تلك الآونة، وكان إعداد المعلم يأتي من خلال تأهيل متقدم وثوابت ومنهج قوى فكانت بداياته صلبة لغة ومن ثم وعيا سياسيا حين التحق بتنظيم القوميين العرب، لهذا جاء دخول الكلية العسكرية شيئا له معانٍ كثيرة لأن أحلام الناس تأتى في لحظة يساهم فيها القدر لكن العقل الحالم والمملوء برؤى بعيد تحقيقها لا يموت في ذاكرة الرجال! اختار عبدالونيس طريقا كان يستشعر زواياها المضيئة والمظلمة معا، وأنها مسار ومنعطف كبير في حياته.
تخرج في الكلية العسكرية الدفعة السادسة 1964 برتبة ملازم ثانٍ. لم يكن عبدالونيس ضابطا عاديا داخل الجيش على الرغم من ضآلة رتبته العسكرية في وجود الرتب العالية، التي تأهلت عسكريا في دول كالعراق ومصر آنذاك لكنه كان كادرا في تنظيم استوعب من خلاله عالم السياسة، وماذا يجرى عربيا وإقليميا؟ كما تفهم أسرارا ورؤى بعيدة الآفاق كرجل عسكري مما كان لها التأثير المباشر والقوي على شخصيته داخل الجيش، وهي التي جعلته في وقت قصير يتحصل على مهمة أستاذ في الكلية العسكرية، وكان على دراية بما يجرى في البلاد وداخل أروقة الدولة ناهيك عن معرفه شاملة عن الجيش وضباطه ووحداته وكفاءات وقدرات الوحدات العسكرية في الجيش. حين وقع انقلاب سبتمبر 1969، كان من ضمن الضباط الذين أسهموا في هذا العمل العسكري للاستيلاء على السلطة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات