Atwasat

الدرس الكبير: عندما ينتصر التسامح على الألم

عطية صالح الأوجلي الإثنين 24 نوفمبر 2025, 03:18 مساء
عطية صالح الأوجلي

• يوغوسلافيا ما بعد تيتو: نيران تحت الرماد
رحل تيتو، الزعيم المؤسس والقائد الذي لم تعرف البلاد غيره، في الرابع من مايو عام 1980، تاركًا يوغوسلافيا على صفيح ساخن، ترزح تحت جمود سياسي واقتصاد متدهور وديون خارجية تعدت العشرين مليار دولار. ومع غيابه، بدا المشهد السياسي، الذي يعاني فراغا هائلا في القيادة، مفتوحا أمام كل الاحتمالات، بما فيها احتمالات الانقسام والصراعات الدامية.

• تأجيج الكراهية: البحث عن كبش فداء
في هذا المناخ المشحون، رأت القوى الصربية في غياب تيتو فرصتها لتحقيق أحلامها القومية المؤجلة. ومع انشغال الحرس القديم بمزايا السلطة، راحت أصوات قومية تبحث عن «كبش فداء»، لتصب غضبها على الطرف الأضعف في المعادلة اليوغسلافية: الأقلية المسلمة. وهكذا انطلقت حملات تحريضية، استدعت التاريخ والدين، لتأليب المشاعر، وأشعلت نيران الكراهية الكامنة تحت الرماد.

• محاكمة الفكر: عندما يصبح الكتاب جريمة
في هذا الجو المحموم، لم يعد التفكير النقدي مسموحًا، فقد اعتُقل عدد من المثقفين المسلمين البوسنيين بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم. وكان الدليل الوحيد ضدهم هو كتاب «الإعلان الإسلامي»، للمفكر والزعيم البوسني علي عزت بيجوفيتش.

كان الكتاب عملًا فكريًا يتحدث عن التحديات التي تواجه المجتمعات الإسلامية، دون أي ذكر ليوغسلافيا. بل إنه نُشر سابقًا كسلسلة مقالات في جريدة رسمية. مع ذلك، تحولت صفحاته إلى وثيقة اتهام، لتبنى عليها محاكمة مليئة بشهود الزور والأدلة المصطنعة، وطُرح حينها سؤال ظل عالقًا في ردهات التحقيق: كيف لمجموعة من المثقفين المسالمين، الذين لا يملكون سلاحًا أو منشورات، أن يقلبوا نظام حكم مدججا بالسلاح؟! لقد كان النظام يخشى قوة الفكرة أكثر مما يخشى السلاح.

• من السجن إلى الرئاسة: رحلة كفاح
بعد تلك المحاكمة الجائرة، حُكم على علي عزت بالسجن أربعة عشر عاماً (خُفض الحكم لاحقاً إلى اثني عشر عاماً). وخلال سنواته وراء القضبان، كان العالم من حوله يتغير بسرعة مذهلة، فالجدار الذي قسّم برلين انهار، والمنظومة الاشتراكية التي كانت تحكم نصف أوروبا بدأت في التفكك، ومعها اهتزت أركان يوغسلافيا.

هذه التحولات التاريخية فتحت الباب أمام أصوات جديدة، من بينها صوت علي عزت بيجوفيتش، الذي خرج من السجن عام 1988 ليجد أن اللحظة قد نضجت لبدء مشروع سياسي جديد. وهكذا ولد حزب «العمل الديمقراطي»، لتكون مشاركته في الانتخابات لاحقًا الطريق الذي قاده إلى رئاسة المجلس الرئاسي للبوسنة عام 1990.

• اختبار التسامح: القرار التاريخي
وجد بيجوفيتش نفسه فجأة رئيسًا للدولة، بينما كان مضطهدوه السابقون لا يزالون في مناصبهم بالشرطة والقضاء. كان الجميع يترقب: هل سينتقم؟ جاء رده حاسمًا: «لا انتقام الآن ولا في أي وقت. كل الذين كان لهم دور في محاكمتي لن ينالهم في عهدي أي أذى. لقد عفوت عنهم كسياسي في السلطة، ولكني كإنسان لم أستطع أن أغفر لهم في أعماق نفسي ذلك الظلم».


• درس في القيادة الأخلاقية
بهذا الموقف، قدم بيجوفيتش نموذجًا فريدًا للقيادة الأخلاقية، إذ جسد قدرة القائد على الفصل بين مشاعره الشخصية كإنسان ومسؤوليته كقائد دولة. لقد أدرك أن بناء الدولة لا يقوم على الأحقاد، بل على القدرة على تجاوزها. وهنا يتجلى معنى التسامح كخيار استراتيجي وأخلاقي. يمنح السلام للمجتمع قبل أن يمنحه للفرد. إن القيادة الحقيقية لا تُقاس بسطوة السلطة، بل بقدرتها على ضبط النفس، وتغليب المصلحة العامة على نزعات الانتقام.

• أسئلة للتأمل
تجربة علي بيجوفيتش تضعنا أمام أسئلة لا تزال راهنة:
• هل يمكن للسياسة أن تتصالح مع الأخلاق؟
• هل يستطيع القائد أن يظل إنساناً وهو يواجه ضغوط السلطة ومغريات الانتقام؟
• هل يكون التسامح خيارًا واقعيًا في زمن الصراعات الدامية أم مجرد حلم مثالي؟
• لماذا تمكن بيجوفيتش من هذا العفو الصعب بينما عجز آخرون؟
• لماذا ينجح دعاة الحرب حيث يفشل دعاة التسامح ؟

هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات بقدر ما تسعى إلى تحفيز العقول على التفكير في معنى القيادة، وفي قدرة الإنسان على تحويل الألم الشخصي إلى قوة أخلاقية. وربما يكون الدرس الأعمق هو أن التاريخ لا يُكتب فقط بالقرارات السياسية، بل أيضًا باللحظات التي يختار فيها القائد أن يسمو فوق الجراح.

• خاتمة: تجاوز التمجيد إلى الاستفادة
دراسة سير العظماء لا تعني تمجيداً أعمى لهم، بل فهم سياقاتهم واستخلاص القيم. بيجوفيتش علمنا أن التسامح ليس نسيانًا، بل هو خيار أخلاقي شجاع لبناء المستقبل.

السؤال الأهم: كيف نطبق هذه الدروس في حياتنا ومجتمعاتنا؟ كيف نضمن أن يكون التسامح خيارنا، وأن تكون العدالة غايتنا، وأن يكون السلام إرثنا للأجيال القادمة؟ فالدروس الكبيرة حقًا لا تأتي إلا من النفوس الكبيرة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»