الإذعان يعني الخضوع والانقياد للغير، ويدل على الاستسلام التام والرضوخ للأوامر أو الشروط دون اعتراض أو مقاومة، فالإذعان في جوهره خضوع لإرادة أو سلطة أخرى، سواء كانت هذه السلطة شخصًا أو مجموعة أو حتى نظامًا.
هو لفظ تردد في الأيام الماضية خلال حرب «الشرق الأوسط الجديد» والذي جاء على لسان رئيس أقوى دولة في العالم موجها حديثه إلى إيران، وإلى حركة المقاومة في فلسطين.
وما دام الإذعان يعني استسلاما تاما غير مشروط، فلا مجال أمام المذعن في أن يبدي أي مقاومة أو اعتراض على ما يُطلب منه، وليس أمامه أي محاولة للتفاوض أو تغيير أو حتى فهم الأسباب.
قطعا هو حال مؤسف، يحدث واقعا عند الحروب وغلبة طرف على الآخر وحدوث هزيمة قاسية، فتكون الاستجابة التامة من المهزوم لشروط المنتصر مهما كانت مجحفة.
هناك نماذج عملية كثيرة للإذعان عبر التاريخ منها استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، وإذعان النظام السابق وتخليه عن البرنامج النووي وتسليمه معداته كافة لأمريكا، وغير ذلك من أحداث الإذعان عبر التاريخ.
ولكن وفي هذا السياق أود الإشارة إلى إذعان آخر مختلف يتضمن خضوعًا وربما شعورًا بالضعف أو الإكراه.. وهو رضوخ الإنسان طواعية دون إكراه أو خسارة، وهو أمر يحدث بشكل متكرر، ومثله الجلي هو ما يحدث من قبل اتباع أي ديكتاتور، عندما يقدمون فروض الولاء والطاعة لسيدهم دون أن يبوحوا ولو بالقليل عن مظالمه؛ ربما لمصلحة شخصية يبغونها أو تحت ستار مظلة الخوف من بطشه.
وهناك أنواع أخرى مثل إذعان العامل البسيط المعدم لصاحب العمل عندما لا يحصل على حقوقه رغم ساعات العمل الإضافية ويقوم بتفسير وتبرير قبول وإذعانه «بدواعي الحاجة».
على كل حال، لن يعدم الإنسان تبرير ما هو عليه؛ ولذا سأذهب إلى ما هو أعمق في عقلنا الجمعي، حيث أظن أن الأمر يتعلق بمفهوم «الطاعة» الراسخ في العقول، التي يمكن أن تكون طوعية أو قسرية.. حيث يبدو مفهوم «الطاعة» هو محور جهود الاستبداد لكسر إرادة الإنسان خاصة لو تلبس برداء ديني، حيث كبيرة الكبائر هي «شق عصا الطاعة» لولي الأمر (لاحظ الارتباط، في التعبير اللغوي التراثي، بين الطاعة والعصا!).
يقول د. فؤاد زكريا: «الطاعة» هي الصفة الأخلاقية التي يراد من الإنسان أن يتحلى بها في مراحل عمره كافة، وهي تعد فضيلة الفضائل في الثقافة السائدة.
وأستطيع أن أقول إن تنشئة إنساننا ترتكز، في مراحلها المختلفة، على تثبيت هذه القيمة الخلقية والاجتماعية وغرسها بطريقة راسخة.
في الأنظمة الديكتاتورية المتسلطة لا شيء مطلوبا من المواطن إلا أن يكون «مطيعاً» لأوامر الحاكم، وأداة «طيعة» في يده.
لذا، وعلى امتداد جغرافيتنا يعيش سكانها الإذعان قهرا أو طواعية.. رغم أن كل شيء عظيم أنجزته البشرية كان مقترناً بقدر من عدم الإذعان والتمرد، والعبرة تكون دائما في رفض الإذعان والاستسلام.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات