في الذكرى الحادية والثلاثين لرحيل «الصادق النيهوم» تمرُّ بي الذكريات أطيافاً غير بعيدة، وكأنها بالأمس القريب.. واحدٌ وثلاثون عاماً مرّت على رحيله في نوفمبر العام 1994 وهو يقيم بيننا حيّاً في ذاكرتنا لا يبرح الأماكن التي ارتادها، في ستينيات بنغازي وهلسنكي، وسبعينيات طرابلس وبيروت ولندن، وثمانينيّات ونيِّف من تسعينيّات جنيف.. وكأنّ تلك الأماكن لم تبتعد كثيراً عن شموسها التي سطعت زمناً بالفكرة الجريئة تمحو علامات الخطو المخادع على الرمل وتقيم العلامات الدالة على نقطة البداية.
وفي هذه الرحلة الطويلة مع الفلسفة والنقاش، والكتابة في الفكر والأدب، وصلنا مع النيهوم إلى سؤال تلك الحقبة، وكنا نعرف، كما كان يعرف، أن لا إجابة نهائية عن سؤال الفكر العقلاني في ظل متغيّرات التفكير العاطفي، ليبقى «سؤال التنوير» كما «سؤال العقل» الذي طرحه «عابد الجابري» لعقود، فمات الجابري وظل سؤال العقل قائماً في المراحل!
في هذه الذكرى الواحدة والثلاثين لوفاة النيهوم، استدعت الذاكرة تلك الملامح القديمة التي جمعتنا في بنغازي، برائحة المكان ومهابته ومكانته العميقة في الزمن.. ومن محطّات الزمن كان المكان البنغازي يتّسعُ في الحياة بمجالات الألق الثقافي الذي مأسس لصحافة يومية رائجة كانت فتيل الضوء في ظهور أقلامٍ تألقت بجمال اللغة والعبارة والنقد، فأخذتنا معها في الرحلة الطويلة بزاد الكلمات المضيئة!
نشأتُ مع صادق النيهوم والأصدقاء خليفة الفاخري وعلي الفزاني ومحمد المسلاتي ومحمد قصيبات في منطقة واحدة في بنغازي القديمة هي «سيدي اخريبيش» وإن كانوا جميعاً يكبرونني بأعوام متفاوتة، فبالإضافة إلى معرفتي بالشخصيات المميزة في ذلك الحي العريق، كان الصادق الشخصية الأكثر إثارة بين الشباب ولافتاً لأنظارنا كطالب جامعي «هيبي» لا تخلو يداه من كتاب، وبحركته الرشيقة في «شوكات» سوق الحشيش كانت تعمّ البهجة بين أقرانه وهم يتساءلون عن «الحاج الزروق والحاجة امدلّله» شخصيتيْه الاجتماعيتيْن في سلسلة مقالاته الأسبوعية في جريدة «الحقيقة» وكان بدورنا أن نقتني الجريدة إلى أبناء الشارع والمدرسة والبيت، ونحن نرسم في خيالنا شخصية الحاج الزروق الذي كان يشبه العديد من الشخصيّات الشعبية في منطقتنا، وكدنا نراه حقيقياً ذات مرة تحت أقواس «الفندق البلدي» يحمل رأس خروف ويشتري حجاباً من فقي!
في تلك الفترة من حياة بنغازي طبع النيهوم في مخيلتنا شخصيّاته الشعبية التي ظهرت معظم ملامحها في رسومات الفنان «محمد الزواوي»، وكانت مقالاته الساخرة قبل ظهور التلفزيون جزءاً من المسرح الفكاهي في بنغازي و«كراكوز بازامة» الذي كان يجمع صغار المنطقة.. لذلك أكمل النيهوم لوحة بنغازي الفلكلورية بأسلوبه الناقد الساخر الذي جرّنا بعد ذلك للتأمُّل في لغة مقالاته الأدبيّة والفكرية، وقد جمعني به لقاء طويل نهاية الستينيات في بيت ابن عمتي «أحمد الجهاني» بحضور مؤسس جريدة الحقيقة «محمد بشير الهوني» والشاعر «علي الفزاني».
كنتُ والشاعر علي الفزاني قد تساءلنا مراراً عن مدى تأثُّر النيهوم وخليفة الفاخري بلغة الكاتب الأميركي «آرنست همنجواي» مُبدع رواية «الشيخ والبحر»، ولكننا اتفقنا معياراً أن لغة المُترجم «منير بعلبكّي» هي الساطعة في مفردات النيهوم والفاخري وليس لغة همنجواي، على الرغم من تمكّنهما من إجادة عديد اللغات الأجنبية. الأمر الآخر في المقارنة بين النيهوم والفاخري كان السؤال عمن سبق الآخر إلى الكتابة، ومن تأثّر بمن.. فظل هذا السؤال عالقاً بيننا لزمن، ومع الزمن ظهر الاختلاف، وظهر وجه الشبه بينهما، وهو روح المكان والنشأة وزمن التجربة الأولى في ذلك الحي القديم في بنغازي، وهو أيضاً الامتداد الطبيعي الذي قاد تجربتي وتجربة محمد المسلاتي، ومن بعدنا محمد عقيلة العمامي ومحمد العنيزي، في كتابة القصص والحكايات، فثمّة رائحة مثالية للمكان في معظم كتاباتنا الأدبية رغم مرور الزمن واختلاف التجربة الحياتية بيننا.
في مطلع السبعينيات عاد النيهوم من «هلسنكي» ليجد رصيده من النجومية قد ازداد في مجتمع صغير كان على استعداد لأن ينفتح على المعرفة بكل شيء، وكان لجريدة الحقيقة التأثير الإيجابي على بروز شخصية النيهوم الثقافية، وليكون اللقاء بيننا بعد ذلك في مكاتب «دار الحقيقة» قبل إغلاق صحيفتها عام 1971، لنلتقي في مكاتبها من جديد نهاية 1972 ولكن هذه المرة مع صحيفة «الشورى» التي ترأس تحريرها الأستاذان «محمد علي الشويهدي» و«عبدالمقصود الفاخري»، وكتب فيها النيهوم وعدد من كتّاب «الحقيقة» السابقين، ونتيجة تلك التقلُّبات السياسية التي حدثت في البلاد، توقفت هي الأخرى عن الصدور في العام 1973 لتصمت الصحافة الخاصة، ولتنشغل الدار في تجميع وطباعة مقالات النيهوم في كتابيْن هُما «تحية طيبة وبعد» و«فرسان بلا معركة» ورواية «القرود»!
منذ ذلك الحين جمعتنا اللقاءات والسهرات والحكايات، في فندق قصر الجزيرة عندما يزور بنغازي، وفي القرية السياحية وأجنحة فندق الشاطئ عندما كان يقيم في طرابلس، ثم بعد ذلك في منزله المعتاد بالفندق الكبير الذي شهد أهم حواراتنا الثقافية، وقد تجاورت كتاباتنا في صفحات مجلتي «كل العرب» و«الناقد» خلال الثمانينيات ومطلع التسعينيات، فكان الصادق الصديق الوفي الداعم لكتاباتي ودائم السؤال عنّي حتى وفاته في جنيف العام 1994 عام الخسارة الفادحة بالنسبة لي!
أذكر أنه في بيروت صيف 1993 وأنا داخل ممر مؤسسة «الكفاح العربي» برفقة الصديقيْن الكاتب عبد الأمير عبدالله والشاعر حسين نصر الله، ناداني من الخلف صوتٌ متلهّف: «يا سالم يا سالم، الصادق يا سالم» فإذا به الكاتب «فاروق البقيلي» يضمّني إلى صدره ويجهش بكلمات حائرة يسألني عن «الصادق» الذي كان دخل المشفى في جنيف.. نما لعلمه وعلمي نبأ مرض الصادق ولم نتخيّل يوماً أن يتوعّك ذلك البشوش اليافع المرح حين كان يُقبل علينا من بعيد رشيق الخطى مميّزاً في مشيته دون سائر المارة على رصيف شارع الحمرا إلى «الويمبي» حيث نجلس ويأخذ موقعه بيننا وهو يلتفت بخفة ويبتسم فيبهجنا بواقعة طريفة وأخرى، ويسترسل في الحديث بأنفاس سيجارة يعتني بملامستها طويلاً وبصحبتها لفنجان القهوة.. ومن فورنا حاولنا الاتصال به وبزوجته السيدة «يوديت حنّا» وبـ«إبراهيم الكوني» الذي تركنا له رسالة صوتية، كما حاولتُ الاتصال بصديقنا يوسف الدبري في طرابلس، ولا فائدة، وحين علمنا بعودة «رياض الريّس» من لندن اتصلنا به في مكتبه لأكون عنده بعد نصف ساعة، وكانت أخبار الصادق مطمئنة وأنها مُجرّد وعكة صحّية عارضة وهو باقٍ في جنيف يجري فحوصات دقيقة وسيتماثل للشفاء.. وكان تطمين الريّس مبشّراً لي بعكس فاروق الذي لم يفارقه القلق على صحّة الصادق، حتى إني سألته إذا كان يعرف شيئاً ويخفيه عنّي، أو أن الصادق قد أخبره شيئاً عن مرضه، لكن إحساس البقيلي كان يقيناً وهو الذي جاور النيهوم في «الأسبوع العربي» ورافقه طويلاً في «دار التراث».
افترقنا من جديد وغادرتُ بيروت إلى دمشق ثم العودة إلى نيقوسيا والاتصالات مستمرة وحالة الصادق غير مستقرة، وبعودتي إلى ليبيا كان «يوسف الدبري» يسافر إليه ويتابع حالته الصحّية التي ساءت كثيراً ليدخل الصادق غرفة العناية بعد أن فتك به سرطان الرئة، ويُصبح الاتصال به صعباً سوى مع زوجته «يوديت حنّا» التي لم تفارقه، ومع الكوني والدبري اللذين يطلّان عليه باستمرار، والاتصال الأخير كان مع أخيه إبراهيم الذي أبلغني بسوء حالة الصادق الذي أصبح يشحذ الهواء دفعة واحدة من أجل أن يقول بضع كلمات للتطمين والسلام..!
في فبراير 1994 كنتُ بجوار غرفة الصادق المُعتادة بالدور الرابع في الفندق الكبير بطرابلس، كانت نهاية الممر حينها باردة وكئيبة بدون حيوية الصادق ودخوله الرشيق في كل مرة والبهجة التي يصيبنا بها في ترحابه وجلوسه وحيوية نقاشه، حتى إننا كُنّا نقطع التزاماتنا لنستمتع أكثر بأحاديثه الشيقة في كل شيء، وفي آخر لقاء بيننا منتصف عام 1993 طلب منّي أن لا أنقطع عن الكتابة في «الناقد» فحمّلته مقالاً كان جاهزاً ليبعثه لرياض من جنيف وقلتُ له «تستاهلها، أهو قعدت ساعي بريد» فردّ مبتسماً وهو يتأمل المظروف قائلاً «ذكّرتني برسائل زمان والتهميش الذي نضعه أسفل المظروف نشكر فيه ساعي البريد»!.. لقد كُنّا قبل اختراع النت نستخدم الفاكس أو البريد السريع، لكن كان الصادق أسرع من الاثنين معاً وكان مقاله ومقالي يتجاوران في صفحات العدد التالي مباشرة.
غادر الصديق النبيل وترك المكان بارداً سوى من الذكريات الدافئة، ليأتني من بعيد صوت يوسف الدبري يصعقني بنبأ وفاة الصادق وأنه وإبراهيم الكوني في الطريق إلى بنغازي بالجثمان!
مشينا نفراً في جنازته إلى مقبرة «الهواري» وكانت دموعنا تسّاقط كما المطر في ذلك اليوم الغائم، وفي المساء في السرادق الصغير للعزاء بسوق «الحشيش» جلستُ بجوار عمّي رجب والد الصادق الذي كان حزيناً على فقد من كان يحبّه ويصارحه ويمزح معه، فيما كان أخواه عبد الرحيم وإبراهيم ساهميْن في الفراغ على صوت الصادق الذي ابتعد عن بنغازي وإن رقد جسده أخيراً في حضنها، وعلى يميني كان يجلس خليفة الفاخري يسأل يوسف الدبري عن اللحظات الأخيرة في حياة الصادق.
بعد أيام هاتفني رياض الريّس يطلب مقالاً عن الصادق في العدد الخاص لمجلة «الناقد» فكتبتُ «العائد إلى بنغازي» وليكون هو العدد الأخير من المجلّة التي انتشرت بريادة النيهوم وتوقفت برحيله عنها وعن الدنيا التي ملأها بأسئلة الفكر والتنوير والحداثة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات