Atwasat

ميلاد الفوضى الخلّاقة

أحمد زاهر الأحد 26 أكتوبر 2025, 10:02 مساء
أحمد زاهر

لم يكن الغرض الأول من إنشاء الدول الوطنية في منطقتنا بناء كيانات سيادية مستقلة، بل ضمان تفكيك الإمبراطورية العثمانية بشكل نهائي، وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية على نحوٍ يخدم مصالح القوى الاستعمارية. حتى الحدود التي رسمها سايكس وبيكو لم تراعِ الديموغرافيا كما يفترض، بل رُسمت خطوطًا مستقيمة بالمسطرة، ولم يكن ذلك صدفة، بل هندسة دقيقة لتأسيس دول متوترة تحمل بذور صراعها الداخلي منذ لحظة التكوين، وتبقى النار مشتعلة فيها باستمرار.

هذا ما يفسر قول السفير الأميركي في تركيا، مبعوث الرئيس ترامب إلى الشرق الأوسط في مقابلة صحفية: «السلام في المنطقة لن يتحقق، لأنه لم يكن موجودًا أصلًا». عبارة تختزل الرؤية الغربية العميقة التي ترى في الشرق الأوسط ساحة صراع لا فضاء سلام، ومصدرًا للمصالح لا للاستقرار. فالسلام بالنسبة لهذه القوى ليس هدفًا، بل تهديد يوقف حركة الهيمنة ويكسر معادلة السيطرة التي بُنيت على الفوضى المنظمة.

قبل سقوط العثمانيين، كانت المجتمعات في هذه الرقعة تُدار بمنطق الولاءات: الأسرة والقبيلة والطائفة والزاوية الدينية. الفرد لم يكن كائنًا قانونيًا مستقلًا، بل جزءًا من جماعة تؤمّن له الحماية والانتماء والشرعية. ثم جاءت الدولة الوطنية كنسخة مستوردة من الغرب، قائمة على فكرة المواطن الفرد والقانون الوضعي والبيروقراطية المركزية. هكذا تشكّلت فجوة عميقة بين بنية اجتماعية تقوم على التضامن العصبوي والولاء الجمعي، وبين دولة بلا جذور محلية ولا عقد اجتماعي حقيقي.

تحوّل المجتمع إلى كتلة بشرية لا تشعر بالانتماء إلى مؤسساتها، وصارت الدولة تنظر إليه كتهديد دائم لوجودها. ومن رحم هذه المفارقة ولدت الأنظمة التي تخاف شعوبها أكثر مما تخاف خصومها، فأنشأت أجهزة أمنية تحمي النظام من الداخل بدل أن تحمي الوطن من الخارج، وربطت بقاءها بشرعية القوة الأجنبية لا بشرعية الناس.

شعبٌ يشعر أنّه غريبٌ في وطنه، وسلطةٌ تتصرّف كأنّها قوّة احتلال. تلك هي المفارقة التي تختصر مأساة الدولة الوطنية في العالم العربي. فبدل أن تكون إطارًا جامعًا للانتماء، تحولت إلى غطاءٍ لاستعمار داخلي تمارسه أقلية ضئيلة على أكثرية واسعة، تتوارى خلف قناع القانون والسيادة لتحتكر الثروة والقرار. لم تعد الدولة عقدًا اجتماعيًا بين مواطنين متساوين، بل أصبحت أداة هيمنة بيد نخبة تستمد شرعيتها من الخارج وتفرض نفسها على الداخل.

هكذا وُلدت «الدولة الوطنية المتخيلة»؛ صورة قانونية مُستوردة بلا جذور اجتماعية. السلطة تحكم كما لو كانت غريبة، والمجتمع يعيش كما لو كان مستبعَدًا من دولته. ومع كل جيل جديد تتعمق الفجوة، ويتحول الولاء الوطني إلى عبء رمزي لا يجد ما يبرره في الواقع.

إن عداء الأنظمة لشعوبها ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة هندسة استعمارية دقيقة عمّقت الفجوة بين الدولة والمجتمع وجعلت التوتر وظيفة بنيوية لا عرضًا طارئًا. تجاوز هذا الإرث لا يكون بتكرار الشعارات أو باستنساخ نماذج جاهزة من الخارج، بل بإعادة بناء الفكرة من جذورها، على أساس محلي يعترف بالتعددية بدل قمعها، ويحوّل الولاءات التقليدية إلى طاقة سياسية إيجابية، ويبني دولة ترعى المجتمع بدل أن تحاصره.

إن لم نفهم هذه المشكلة ونقم بتفكيكها، فلن نخرج من حلقة الصراع المستدام الذي وُضعنا فيه وفق هندسة محكمة صُممت لاستنزافنا. لقد آن الأوان لوضع فلسفتنا الخاصة في بناء كياناتنا، فلسفة تنبع من تاريخنا وتجاربنا ومجتمعاتنا، لا من قوالب مفروضة من الخارج. فقط حين نصوغ مشروعًا وطنيًا بمرجعيتنا نحن، نستطيع أن نحول الدولة من قناعٍ للهيمنة إلى إطارٍ جامع للانتماء، ومن سلطةٍ غريبة إلى عقدٍ اجتماعي يعكس إرادة الناس ويعيد إلى الوطن معناه الحقيقي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»