Atwasat

عصر الإنترنت

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 05 أكتوبر 2025, 04:57 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

يمكن أن نطلق على الزمن الذي نعيشه منذ بضعة عقود، بجدارة، تسمية «عصر الإنترنت» هذا الاختراع الذي قفز بالإنسانية قفزة نوعية مذهلة لم تكن واردة على الخيال البشري. إنه اختراع يشابه اكتشاف النار وإيجاد طرق ووسائل للاحتفاظ بها وإعادة إنتاجها، واختراع البكرة أو العجلة، واكتشاف طاقة البخار، واختراع القطار والسيارة والطائرة، واختراع الكهرباء وشريحة الترانزستور.

لكن هذا الاختراع ربما هو الأكثر تأثيرا وعمقا، فلقد أصبح يمس حياتنا اليومية وعلاقتنا بالعالم، ويؤثر في شؤوننا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. أصبحت التحركات الاجتماعية والهبات الشعبية والثورات تنظم وتقاد عبر الإنترنت من خلال ما يعرف بوسائط التواصل الاجتماعي، وصار بإمكان شخص يسكن في القطب الشمالي أن يشتغل من مكانه مع شركة في الصين، مثلا. وبمقدور شخص ليبي يقيم في قرية صغيرة في أقصى الجنوب الليبي أن يشارك في اجتماع أو حوار ما مع أشخاص يقيمون في بلدان تتوزع على أكثر من قارة.

إنه اختراع يحتل نقطة ما بين الحقيقة والخيال وبين الواقع الصلب المحسوس والافتراض.

من جانب آخر، كسر هذا الاختراع احتكار السلطات والحكومات للأخبار، فصارت بعض الأحداث والوقائع التي تريد سلطة ما التكتم عليها تفضح وتشاع عبر وسائط التواصل الاجتماعي، إلى درجة تدفع ببعض الجهات المعنية في سلطة ما لأن تبادر بتوضيح أو نفي وقوع حادثة ما (عادة تسميها إشاعة). لا ينبغي أن ننسى واقعة «ويكيليكس» وفضح الشناعات التي كانت تمارس في سجن «أبوغريب» في العراق من قبل الأمريكان وواقعة قتل شرطيين أمريكيين أبيضين لمواطن أمريكي أسود في الشارع.

هذا بالطبع إلى جانب ما يتيحه من سيل معرفي لمن أراد وبكل لغات العالم تقريبا، بحيث جعل فعلا «المعرفة تحت الأصابع» مثلما يقال.

المشكلة في ما يعرف بـ«دول الجنوب» أن هذه الدول ما زالت غير قادرة على التكيف مع هذا المعطى الجديد أو غير راغبة في التكيف معه.

بالطبع، ثمة جوانب سلبية لهذا الاختراع، مثل إدارة الجريمة المنظمة وعمليات النصب والاحتيال وإدارة شبكات الدعارة وبعض الجوانب الأخلاقية الأخرى، لكن تظل أضراره دائما لا تقارن بفوائده. وفي جميع الأحوال، قلما يخلو اختراع من آثار سلبية جانبية، فللسيارات والقطارات والطائرات أضرارها، وكذلك للكهرباء وغاز الطبخ بالبيوت..



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»