بعد انقطاع دام تقريبًا مدّة عشر سنوات، زُرتها على عجل، رفقة أبي رحمه الله وأخي بغرض تقديم واجب العزاء في وفاة والد صاحبي. حدث ذلك، في شهر مارس 1988، بعد قرابة أسبوعين من خروجنا من السجن. تلك الزيارة كانت الأخيرة.
وجدتها على الحالة التي تركتها عليها آخر مرّة. تغيّر الزمن وأهله من حولها كثيرًا. الأولاد الصغار كبروا وصاروا رجالاً. البنات الصغيرات أصبحن صبايا. وتغيّرنا أنا وصاحبي وبقية روّادها وتفرّقت بنا السُبل. اشتعلت رؤوسنا شيبًا. قلوبنا امتلأت أوجاعًا، وظلتْ هي على حالها. في صمت، كانت من موضعها تراقب الدنيا تتقلب من حولها، وترصد بحياد ما يفعل الزمان بأهله.
في حوش عربي، بسقف مفتوح على السماء، يقع وراء مبنى وزارة الزراعة في سيدي المصري، يصله المرء عبر طريق ترابي، تقع المربوعة.
الحوش عادي. لا يختلف عن غيره من البيوت الشعبية التي بنيت في الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، في تقسيمات شعبية متشابهة، في مناطق كانت زراعية. لا تزيد مساحة كل قطعة فيها على 120 مترا مربعا إلا نادرًا.
ما إن تتخطى قدما الزائر عتبة البيت داخلاً، حتى يراها على يساره بباب أزرق اللون وكأنها تدعوه إليها. لا تزيد مساحتها على «مرقد كلب وفتالته برّه».
لجأ إليها صاحبي بعد أن كبر وأصبح (عزري) لتكون له خصوصيته، وتصبح دار نومه، وغرفة أكله وشربه ومكتبه ومكتبته ولقاء أصحابه وخلاّنه. كان في لحظات تبرّمه من وحشته، و«داير بيه الدجاج الأسود» يقول لنا لدى مغادرته مجلسنا في المدينة إنّه عائد إلى زنزانته، قبل حتى أن يعرف ويخبُر العيش في زنازين حقيقية.
في سنوات السجن صار يحنّ إليها كثيرًا، بعد أن عرف مدى الظلم الذي ألحقه بها. وأدرك هناك، في تلك البقعة المعزولة الموحشة المحاطة بالأسوار والأسلاك والحرس، أنّها كانت «جَنّة وفيها الكعك».
حين دخلتها أول مرّة بدعوة منه ضاق خاطري من ضيق وصغر مساحتها وازدحامها بالكتب وبكثير من الأشياء. تعجّبت كيف يمكن لصاحبي العيش والنوم بها. لكنّي بعد عدّة زيارات ألفتها وألفتني. تعوّدت عليها وتعوّدت هي الأخرى عليَّ. وبين جدرانها كبرتُ وتعلمتُ، وشغفتُ بسماع أغاني السيدة فيروز.
فيها تعرّفت، من خلال زياراتي المتعددة لها، على الكثير من الأصدقاء-الكُتّاب الذين كانوا يأتونها مثلي من حين لآخر، لاحتساء كوب شاي بالنعناع، أو بالليمون، والتدخين والانتشاء بالحديث في الشعر والقصة والرواية والسياسة والفنّ والسينما والمسرح. ما لفت اهتمامي أنني تقريبًا كنت الوحيد من بينهم جميعًا من له علاقة بالرياضة، ويعشق متابعة مباريات كرة القدم.
على الرغم من كونها صغيرة الحجم كانت واسعة الصدر لا ينفد صبرها. تسع كل من يأتيها من أصدقاء صاحبها وزوّاره، وتنصتُ باهتمام لكل ما كان يراودهم من أحلام وطموحات وإحباطات كذلك. لم يقابلني فيها زائر من خارج دائرة المهتمين بالثقافة والأدب. ولم أرَ بها كاتبة أنثى.
كلهم كانوا كتّابا شبابًا ذكورًا، وضعوا أقدامهم في عالم الكتابة الإبداعية، وساروا في دروبه متأبطين أحلامًا وطموحات لا تسعها تلك المربوعة، ولا كل مساحة ليبيا. أغلبهم افتقدتهم المربوعة الصغيرة وافتقدوها حين انتهى بهم الحال في السجون!
المربوعة الصغيرة تلك، لمن لا يعلم، كانت صالونًا ثقافيًا إبداعيًا احتضننا. وكانت في الوقت ذاته، بمثابة القابلة ومكان الميلاد لأغلب كُتّاب جيل جديد من الشباب المبدعين من مختلف مناطق ومدن ليبيا. جيل عُرف واشتهر في الأدبيات باسم جيل السبعينيات.
تلك المربوعة الصغيرة، عُرفت بيننا باسم مربوعة عمر الككلي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات