Atwasat

.. ثم حدث أيضا

سالم الكبتي الأربعاء 17 سبتمبر 2025, 11:36 صباحا
سالم الكبتي

.. وهكذا كانت تجربة البعث الليبية قصيرة تلك الأيام، حيث انتهت في تلك الليلة من عام 1961. لم يحقق الانتشار الكبير والمطلوب سوى عبر بعض النخب.. المحامون ومحررو العقود وطلبة الثانويات والجامعة وبعض أعضاء نقابات العمال. لم يكمل مشروعه أو منجزه الذي يتوقع بالصورة المنتظرة. وكما أشرنا، فإن التداعيات التي ظلت تضرب أساسيات الحزب في مناطقه الأصلية خارج ليبيا، والخلافات التي أعادت النظر كثيرا في تلك العوامل وأسبابها، وصلت رسالتها إلى ليبيا. الحزب أيضا راجع مواقفه ونشاطه. المنطقة برمتها نظرت للبعث نظرة تختلف عن السابق.

المراجعات توالت. مطاع صفدي وغيره في بيروت وبقية العواصم يحللون مأساة البداية والنهاية، وبرجوازية المزرعة، والعجز الذي وصل إليه الحزب العريق. فإذا كان تأخر هناك في موطنه الأصلي، فكيف له أن يحقق نجاحا هنا؟!

تلك كانت عوامل حصاد التجربة المريرة. تلاحقت وتوالت بقوة. عرف القوم هنا 8 شباط 1963، وبعدها بشهر 8 آذار، ثم في تشرين الثاني الانكسار الجديد ببغداد. صراعات. الحرس القومي والميليشيات والدم. علي صالح السعدي وغيره من الرفاق والمناضلين.

العراق في الليل يبدو أكثر إظلاما، ثم تزداد الهوة أكثر مع دمشق والقاهرة على الرغم من محادثات الوحدة الثلاثية في قصر القبة. كان ذلك في أبريل. عبد الناصر تقاطع بحدة مع البعث، وأراد أن يكشف مناوراته التي نالت منه. نُشرت محاضره بإذنه، وبإشراف صوته الإعلامي محمد حسنين هيكل. والجماهير العطشى تسير قوافلها على غير هدى. استفاقت على مرارات تقبل ولا تتوقف.

إذن الأمة والحركة العربية الواحدة ستكونان على مواعيد جديدة تفترق مع السابق. وهنا، في هذه الفترة، قضى البعثيون الليبيون الذين ملأهم الحماس عقوبتهم القانونية، وخرجوا إلى حياتهم السابقة. بدأت مسيرة أخرى. مراجعات اقتضتها الحالة الراهنة. كثير انسحب.

البعض ظل متعاطفا. الحماس بدأ يفتر لدى بعض آخر، وتلك طبيعة الصراع والحياة. اتجه هؤلاء إلى أعمالهم، وظلوا يتابعون ما يحدث في البلاد وخارجها. في عام 1963 تولى رئاسة الحكومة في ليبيا د. محيي الدين فكيني، وبمبادرة منه وبطريقة غير معلنة، فتح قنوات مع بعض أصحاب الرأي والناشطين، للاستفادة منهم لبناء الدولة.

كان شابا درس القانون، وتخرج في السوربون، وشغل وظائف عدة مهمة بعد الاستقلال، ومثل ليبيا في الأمم المتحدة. كان يومها صورة جديدة لمرحلة وزارية يقودها الشباب. واصل خطوات سلفه محمد عثمان الصيد في تعديلات دستور 1951، وألغى العمل بالنظام الفيدرالي (الولايات). في هذه المرحلة، نال الناشطون ودعاة الإصلاح ثقة جعلتهم يواصلون حراكهم. منحت حكومة فكيني تراخيص لصحف جديدة مستقلة، بدأ صدورها بعد استقالته في يناير 1964.

وهنا كما أشرنا صدرت «الأيام» كصوت للبعث من وراء ستار، أو بوضوح. قيادات الأمن أصيبت بتوجس أيضا، وواصلت بدورها متابعتها وتقاريرها. في صيف 1964 أنجزت تقريرا وافيا عن رائحة بدأت تسري في أنوفها عن عودة البعثيين لنشاطهم بناء على تلك المبادرة التي قام بها الرئيس فكيني. لم يكتف التقرير بالبعث فقط، لكنه أشار إلى الإخوان والشيوعيين، ولم ينس أيضا الخلفية التاريخية لجذور هذه التنظيمات في بلدانها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتكوينها في ليبيا لاحقا. الأجهزة ما زالت غير مطمئنة، وتتوجس كالعادة، وكان ذلك من الأمور الطبيعية.. لحماية نظام الدولة!

العديد من أعضاء البعث ساروا في أنشطتهم بطرق أخرى. تحركوا في الأندية الرياضية من خلال عضوية إداراتها وحراكها الثقافي، والكتابة في بعض الصحف، والمشاركة في الأعمال الخيرية، ومساندة أنشطة النقابات المختلفة للعمال وأصحاب الحرف، ورأى بعضهم أن ليبيا بوضعها في تلك المرحلة قد يكون من الأجدى لها هو الحراك من خلال النقابات. إنها أقوى من الأحزاب كما قالت التجربة.. التفاعل مع الشخصيات البرلمانية المعارضة.

الواقع دائما يفرض نفسه. يفرض التغيير. يؤدي إلى التصرف وفقا لما يدور على الدوام. الانفصال عن الواقع يقود إلى الفشل. التجربة البعثية راجعت نفسها، وحاولت أن تستفيد من درسها الذي خسرت فصوله. وفي العموم، ظل للكثير من الأعضاء تقدير من الناس الذين احترموا نضالهم الذي وضعهم في السجن فترة من السنوات بعيدا عن أهلهم وأعمالهم. لم يتهمهم أحد بالعمالة أو الخيانة، ورأوا في خطواتهم الحزبية صورة من صور الوطنية ومحاولة للإصلاح. وبهذا الشكل عادت الصفوف للعمل الحزبي بطريقة غير ظاهرة، وبتطلعات جديدة، وبدماء أخرى كذلك.

وإذا كان هذا التجدد الذي طرأ لم يلق هوى لدى البعض، فإنه افترق معه، واتجه نحو حركة القوميين العرب. الأساس كان البعث، ثم أدبيات الحركة وجدت مدخلها في نفوس هذا «البعض». تكونت بذرتها وشملت كثيرا وشجعت انضمامهم إليها. صورة أخرى ولوحة بإطار يستنهض الأمة، مثل البعث، لكن بوسائل وأهداف مغايرة.

البذرة نشأت في جامعة القاهرة أيضا مثل البعث. عزالدين الغدامسي وعبد السلام الزقعار ونصر الدين البقار وغيرهم. سيتخرجون العام 1959. الغدامسي مر بدمشق، وتعرف على جورج حبش ورفاقه، وشارك في التدريب على السلاح بإحدى دورات الحركة ذلك العام. معرفة وتواصل مبكر مع حكيم القوميين العرب. المشاركة في التدريب ستشمل العديد من العناصر في القاهرة وبيروت، والحلم هو تحرير فلسطين من الصهاينة. تحت هذا المسمى وهذه الدعوة كان يتحقق التدريب على السلاح.

التقى الفكر هنا بالسلاح. نظرية أخرى تعزز العمل الحزبي الذي يختلف عن سابقه. الحماس غمر الطلبة، ومنهم الليبيون، في جامعات القاهرة والإسكندرية، وجعلهم يلتحقون بصفوف الحرس الوطني الذي برز خلال أيام معركة بورسعيد في أكتوبر 1956. كل الطرق سلكها الطلبة لإنجاز التحرير والثورة. لم يتأخروا في التقدم ما وسعهم الجهد والوقت.

ثمة بذرة أخرى أيضا مهمة ومبكرة نشأت في بيروت العام 1957. في رحاب الجامعة الأمريكية هناك. طلبة ليبيون في الجامعة يلتقون زملاء من لبنان والأردن وفلسطين، وتنتشر بينهم أفكار عقيدة حركة القوميين العرب. كانت تنشط بقوة، وتقود المظاهرات والاحتجاجات، وتؤثر في الساحة التي تشغلها. كان الطلاب وقودا للحراك والتفاعل كالعادة في كل نشاط.

هناك عبر شارع بلس، وفي رحاب مطعم فيصل، والإقامة الداخلية للطلبة، ونشاطات المنتدى العربي، ومع فورة الخمسينيات، تنهض طالبة ليبية، هي رباب أدهم، بنشاط لا مثيل له. تنضم للحركة وتنافس زملاءها في النشاط القومي. تخرج في المظاهرات، وتناقش الرجال، وتؤمن بفكرة الحركة على وجه العموم.

تختارها الحركة عام 1957 بتوجيه مباشر من باسل الكبيسي للسفر مرتين إلى بغداد. ومن مطار بيروت، تنطلق وتحمل في الأولى رسائل في حذائها، وفي الثانية منشورات قصيرة وسط علبة حلويات (الحلاب). تنقلها إلى من يعنيهم الأمر هناك في بغداد. تقيم لدى عائلة لها صلة بالعائلة المالكة الهاشمية في بغداد.

جراءة من فتاة ليبية في تلك الظروف. مهمة خطيرة تتصدى لها بشجاعة ودون خوف. كانت أولى الفتيات الليبيات التي تقدمت للمشاركة في هذه الأنشطة السياسية الكبيرة خارج بلادها. كان معها أيضا من الليبيين في الجامعة زهير المنتصر وعمر المنتصر وعبد اللطيف المنتصر وسعد مجبر وغيرهم.

بيروت في نهارات تلك الأعوام شيء آخر. إذا أمطرت الدنيا في بيروت فالعواصم العربية تفتح مظلاتها مباشرة. رباب في الأصل كانت أسرتها مهاجرة أيام الاحتلال الإيطالي. أقامت في المفرق بالأردن. وكان والدها عبد السلام أدهم من الوطنيين المهاجرين الذين شاركوا في تأسيس جمعية الدفاع عن برقة وطرابلس. كونها في دمشق.. بشير السعداوي وعمر فائق شنيب وفوزي النعاس وبكري قدورة وعبد الغني الباجقني وغيرهم. النضال يمتد عبر الأجيال. كانت الشام وروابيها مهوى الأفئدة، وتشكل قمة الصوفية في الفكرة العربية.

وهنا كذلك في ظلال بيروت حامت أقاويل عن الشريف محيي الدين السنوسي، ابن شقيق الملكة فاطمة زوجة الملك إدريس، الذي سيغتال ناظر الخاصة الملكية إبراهيم الشلحي في بنغازي ضحى الخامس من أكتوبر 1954، والذي كان يدرس الصيدلة في بيروت، وتأثر خلال وجوده في الدراسة بتيار وفكر حركة القوميين العرب.

كان يقضي الصيف في بنغازي، ويعود لمواصلة دراسته، وكان خلالها أيضا يرسل إلى أصدقائه في بنغازي نشرة الثأر الصادرة عن الحركة. فهل ثمة لمسات بعيدة أو بصمة غير مرئية تربط علاقة ما بالحركة وتأثيرها.. والاغتيال وتصفية «الرجعية» ورموزها في المنطقة؟ هل كان الشريف ضحية لهذا التأثير حتى يقوم بهذا العمل الذي تداعت نتائجه الهائلة وسببت شروخا في كيان العائلة السنوسية، بدءا من الملك نفسه إلى أصغر فرد فيها، بعد مضي أعوام ثلاثة من الاستقلال في 1951؟ هل كان هناك وراء الظلال والتلال والأسرار الخفية.. ما وراءها؟ كثيرون يقولون إن الشريف كان أداة لفعل كان المسؤولون عنه مجهولين في صفحات التاريخ إلى هذه المرحلة!

حركة القوميين العرب كانت بديلة للحراك عند هؤلاء الطلبة من ليبيا. وتزامن ذلك بالتفاعل الكيميائي الذي اشتعل وتوهج ما بين بيروت والقاهرة. وأغلب هؤلاء عادوا إلى ليبيا في العام الذي ذكرناه 1959. وانتشر التفاعل وسطها بهذه العودة.

البعث كان يعمل سرا، ودون تنسيق في الغالب، مع هؤلاء القادمين الذين يشتغلون أيضا في السر. الفكرة العليا تجمعهما، لكن الخلاف في التفاصيل. في بنغازي، أول حلقة تشكلت من مفتاح ماضي ومصطفى العالم، وزميل آخر لهما. كانوا في مقتبل مرحلة الشباب. كلهم من مواليد 1942. لم يتخطوا السابعة عشرة من أعمارهم.

وعي مبكر بهموم الأمة. الاثنان الأولان كانا يدرسان في المعهد الصحي ببنغازي. وسرى التيار. تنسيق واتصالات. الفكرة أيضا امتدت في طرابلس ومصراتة ودرنة، التي وصل إليها أحمد رجب فيتور، بعد أن أكمل دراسته في بغداد.

مفتاح ماضي أُوفد للدراسة في باريس عام 1961. انقطع عن الحركة تماما، لكنه ظل ينشط باهتمام خاص في الحراك الطلابي الليبي والعربي بعيدا عن الالتزام التنظيمي. لكنه في كل الأحوال يعتبر من المؤسسين الأوائل لحركة القوميين العرب في ليبيا. وستعم الفكرة وستتداخل مع رعاية قيادة الحركة في بيروت وسوريا.

المزيد من الخلايا والحلقات في ليبيا. اقتنع بالفكرة الحزبية والتنظيم العديد هنا، وشارك كثير منهم في مؤتمرات ولقاءات الحركة في بيروت خلال عامي 1965 و1966. الحركة عولت على المشاركة الليبية بحكم الموقع الحيوي في قلب المغرب العربي البعيد عن ديار الشام. مكسب لا شك يحسب لها. كانت تقترب من فكر عبد الناصر. التقى قادتها به، ثم تقاطعوا وافترقوا معه في مرحلة لاحقة. اختلط عملها بالفكر الماركسي. واعتمدت العنف طريقا لتحرير فلسطين. كان تأثيرها أيضا واضحا في اليمن الجنوبي وبعض دول الخليج.

وفي ليبيا انتشر الوعي بالحركة والانتماء إليها بين مستويات الطلبة المختلفة (الإعدادية والثانوية والجامعة) وبعض النقابات.. عمال النفط على وجه الخصوص ومجموعات من المعلمين والمثقفين. الصراع الذي نشأ بين السلطة والطلبة عام 1964 و1966 بلغ ذروته في 1967 بالمطالبة بتكوين اتحاد عام طلبة ليبيا، ثم بوقوع النكسة. كان المحرك الفاعل في هذه الظروف هو الحركة. بعض من البعث، كما رأينا، ترك الحزب وسار على طريق حركة القوميين.. ثاني التنظيمات السياسية القومية في البلاد.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»