وفي تقديري أن من أكد هذا الرأي الشاعر - الأعمى - بشار بن برد، هو القائل:
«هل تعلمين وراء الحب منزلة ** تدني إليك؟ فإن الحب أقصاني»
فهو يستهل بيت شعره، مؤكدا أن الحب يقربه إليها «هل تعلمين وراء الحب منزلة تدني إليك»؛ ثم يؤكد لها أن هذا الحب أبعده عنها:
«فإن الحب أقصاني»:
يضيف الشاعر تناقضا في المشاعر، فهو يرى أن الحب من جهة يقربه، ومن جهة أخرى يبعده ويقصيه. ولعل هذا التناقض قد يعود إلى البعد الجسدي: بسبب بعده عنها لأي سبب كان، كان يكون الحب من طرفه هو فقط، غير أن الأرجح مسألة أنه بصير، وفي الحالتين حبه يواجه صعوبات، مما يبرز حالة من التناقض العاطفي، حيث يختلط القرب بالبعد، والأمل باليأس، في تجربة حبه هذه.
ويقول هذا الشاعر الجميل، في قصيدة غزلية أخرى:
إني لأهواها وإن كنت كاذبا _ فلا رفعت في الصالحين صلاتي
تقطع قلبي زفرة بعد زفــرة _ عليها وما صبري على الزفرات
وأضمرها في النفس حتى كأنما _ أكلمها بين الحشا ولهاتي
فلما التقينا ضقت ذرعا بما أرى _ وألقى عليها معشقي شبهاتي
فقلت لنفسي: الشمس جلت لناظر _ أم البدر يجلى في قناع فتاة؟.
الجميل أنه تفنن وأبدع في الغزل، ويكفيه في تقديري، بلاغته في تصوير جمال المرأة عن طريق أذنه، وكأنه يوحي لنا أن العين قاصرة على تصوير الجمال الحقيقي، لأن الجسد فان، أما جمال الروح التي وصلته عن طريق السمع باقية، إذ يستطع الزمن إفساد الشكل، فيما يكون السمع أطول عمرا إلى القلب، فهو من صور رأيه في الشطر الثاني من بيته الجميل، الذي لا يزال متداولا في العالم بأكمله
قائلا:
يـا قَـومُ أُذني لِبعَضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ ***وَالأُذنُ تَـعشَقُ قَـبلَ العَينِ أَحيانا
أما فلسفته في الحب بليغة في هذا البيت:
هل تعلمين وراء الحب منزلة ** تدني إليك؟ فإن الحب أقصاني
ثمة فرق بين الجاذبية الجسمية والعاطفة العميقة، وهي فقط التي تؤكد أن الحب ليس أعمى! فدعونا نحاول أن نُجيب ببساطة على سؤال بسيط: «ما هو الحب؟».
الواقع أنني قرأت موضوعا عنوانه (الحب ليس أعمى) وهو ملخص من كتاب اسمه (Love and Marriage) لمؤلف أميركي اسمه (ألكسندر ماجون) فماذا يقول تلخيص هذا الكتاب؟
على الرغم مما تقوله لنا العلوم والديانات، يبدو أننا لا نريد فهم طبيعة أقوى شيء في العالم! إننا مندفعون، مأخوذون بخرافة الحب، كما تصورها أفلام العالم الغربية، والعربية والهندية أيضا! وجميعها تؤسسه على قلوب هائمة في أجسام رشيقة جميلة وقلوب هائمة بين النجوم بإحساسها وخيالها الشاعري! تتواصل دقات كل قلبين كقلب واحد!
نشوة الحب والعناق، هما عند الشباب الحب فقط، غافلين عن أنه ثمة حالة أخرى وراء هذه الإثارة الجميلة، إذ لو انتبه العاشقان إلى أنه عبر هذه الإثارة الجميلة يتأسس حب عميق يساعد، بالتأكيد، على قيام وتواصل حياة زوجية رائقة للغاية. هذه هي تميمة سر أن الحب ليس أعمى! وهذه هي فكرة كتاب (الحب والزواج) الذي أشرنا إليه.
سوف أحاول أن ألخص أساسيات هذا الكتاب الذي يقول: «حين نعي أنه من أوهام وخيالات الحب يمكن أن يتأسس حب حقيقي يكمن في قلبي طرفي الزواج، وأساس هذا التفكير أن المرأة والرجل يفكران سويا في (شراكتهما) أكثر مما يفكر أحدهما في الآخر! إن سعادتهما يتعين أن تكون كسعادة الراقصين، أساسها أن يتحركا معا وفق نغمة توحدهما! وأن يعيا جيدا أن الفرق كبير ما بين الجاذبية الجسمية والعاطفة العميقة. وأن الحب ليس ما يتحقق لأي من الطرفين من متعة.
وإنما ما يتحقق لهما معا، وأن ينتبها إلى أنهما يكملان بعضهما، فليس بالضرورة أن يعوض الرجل أمه في زوجته، وليس أبيها في زوجها.. الحب ينبغي أن يتأسس لهما معا، من أجلهما ويكبر مع الأيام ويزداد عمقا وفهما، وأن يعرفا أن الحب والصدق بأنواعه كافة هما وجهان مختلفان لشيء واحد هو الزواج! آخذين في الاعتبار ضرورة أن يكتشف الطرفان نفسيهما ويطوراها ليعرفا كيف يحبان نفسيهما بصورة أفضل متطورة مع الأيام والظروف والقناعات.. إنه باختصار شديد شراكة يتماهى فيها الطرفان!
الخلاصة التي أريد الوصول إليها أن بشار طور حبه عن طريق سمعه، لأنه وظف -عقله - واعتمد عليه فخلد رؤيته، وها هو العلم يؤكد أن دوام الحب يتأسس على العقل، أليس كذلك؟ وهذا ما جعل رأي مؤلف كتاب (الحب والزواج) يتوافق مع رأي بشار وكلاهما يريد أن يقول لنا الحب عاطفة عقلية أكثر منها حسية!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات