طرابلس في الليل تبدو شوارعها خالية. البوليس يتواجد لحراسة مرافق الدولة والمنشآت الخاصة. والهدوء يغمر الأمكنة ورائحة البحر القريب تعم الأفق. الناس قضوا وقتهم حتى المساء في الشواطئ وعادوا إلى بيوتهم. الطلبة في إجازة الصيف.
العاملون سيلتحقون غداً في الصباح بأشغالهم مثل العادة اليومية. تلك الليلة كانت توافق الثاني والعشرين من يوليو 1961. واليوم التالي سيطل بعد الفجر صباح الثالث والعشرين. تسعة أعوام مرت على يوليو 1952. الجماهير من المحيط إلى الخليج تنتظر العرض العسكري في القاهرة وخطاب عبد الناصر المعتاد ضد الرجعية والصهيونية.
تلك الأيام قاربت دولة الوحدة على الانفصال والزمن يلف ويدور. والليل في طرابلس مثل الليل في بنغازي. أضواء وصوت بعض السمار وموسيقى من بعيد تنبعث عبر الملاهي والحانات الساهرة. لكنها كانت ليلة أخرى في تاريخ البعث الليبي. والمنشور في هذه اللحظة من هذه الليلة يوزعه أحد أفراد الحزب. منشور يحرض ويدعو إلى التحرك والثأر للأمة وقضاياها.
ومع المنشور الذي ينتشر هنا وهناك في عتمة الليل ستكون بداية النهاية للحزب بهذا الشكل. البوليس يراقب ويتابع ثم فجأة من يوزع يقع في القبضة المعروفة. تجمع المنشور المتناثر. يقاد ومن معه من بعيد إلى مركز البوليس. كان قريباً من موقع الحدث.
وتبدأ الحكاية للنهاية المتوقعة. السلطة لا تسمح بالتحدي وما ورد في المنشور يعتبر كذلك. التحقيقات تبدأ بقوة. حملات القبض تستمر. تصل إلى بنغازي وكثير من المدن. تتوحد جهود عناصر المباحث في الولايات للمتابعة والمزيد من التحري. كل ولاية كان لها جهازها الأمني ولكن ظل هناك التنسيق الضروري في كل الأحوال. ثمة مجلس أعلى للأمن يضم قادة البوليس يتولى ذلك التنسيق ومراقبة ما يحدث في المملكة الليبية أولاً بأول. الأمن في الصدارة على الدوام وتحت كل الظروف.
تولت المباحث إجراءات القبض والتفتيش على المطلوبين بناء على ما ورد في التحقيقات الأولية في مراكز البوليس وتسليمهم إلى النيابة التي واصلت استكمال الإجراءات القانونية. بعض العناصر الحزبية كان خارج البلاد في إجازة. لم يعد عند سماعه بما وقع. بعض العناصر أيضاً تمكن في اللحظات الأخيرة من مغادرة ليبيا خاصة من حدودها البرية الشرقية. تحوطات من الاحتراز طالت عناصر أخرى فتحفظت على القوائم والمنشورات وظل الكثيرون من هذه العناصر أو المتعاطفون في مأمن من الكشف أو الاستدعاء ومواجهة التحقيق.
الاعتقالات والتحفظات طالت العناصر الليبية والعربية في الحزب. انتشرت القضية في أركان البلاد وتحدثت عنها الصحف وأدارت عملياتها حكومة الرئيس محمد عثمان الصيد. في مايو منذ شهرين مضيا شهدت جدران المباني في طرابلس ملصقات علقها مجهولون تمتلئ بالنقد والهجوم عليه وعلى بعض مساعديه. وظلت تزال كلما تعلق. وأشارت إلى ذلك تقارير بعض السفارات في طرابلس خاصة السفارة الأميركية.
السفارات كانت تتابع كل شيء وتكتب تقاريرها وترسلها إلى مطابخ القرار عن كل شيء يحدث في ليبيا وكذا في العالم كله. المشتغلون في تلك السفارات لا يتركون شيئاً للصدفة. فهل كانت تلك الملصقات التي تعلق في الليل وتزال من قبل السلطات في النهار من حزب البعث أو من المتعاطفين معه. هل ثمة ما يربط بين الملصقات في مايو ثم المنشور الذي وزع في الليل أيضا في يوليو؟
المنشور قاد إلى الكشف. وكانت قضية البعث يومها في تلك الليلة من الصيف الساخن. هي القضية الحزبية الأولى في تاريخ التنظيمات السياسية الليبية. القضايا السابقة في الإطار السياسي اتصلت بمسائل وأنشطة أخرى منها ما يتصل بجمعية عمر المختار في بنغازي والمؤتمر الوطني في طرابلس وإجراء الانتخابات وما يلامسها من تزوير ومصادمات واغتيال إبراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية.
إضافة إلى متابعة (المشبوهين) السياسيين.. في الغالب هذه المسائل وغيرها كانت تعتبر سياسة أو من النشاط السياسي غير المرغوب فيه. قضية حزب البعث في ليبيا كانت أولى القضايا على مستوى التنظيمات كما أشرنا.
توالت التحقيقات وشملت بالطبع عناصر الحزب أعضاء وطلاباً ومثقفين وموظفين ينتمون إليه منذ تكوين خطواته الأولى في ليبيا. ووقف أمام المحكمة ما يقارب خمسين من المتهمين في القضية. كرت السبحة لكن العديد لم يشملهم الاتهام فظلوا بعيداً عن السجن والمحكمة. بعض ممن مثلوا أمام التحقيقات في ساحة المحكمة أشاروا إلى أنهم تعرضوا للضغط والإكراه والتحقيق العنيف.
رأس المحكمة التي عقدت جلساتها في مبنى محكمة الاستئناف بطرابلس القاضي الهادي التركي وكان يمثل الادعاء حسن بن يونس. جرت مصادرة ما يتعلق بالحزب من أوراق ومستندات. فتوى أصدرها مفتي الديار تجريم عمل الحزب باعتباره يحمل أفكاراً ملحدة وغريبة عن تقاليد المجتمع. الناس في ليبيا يتابعون الحدث. لم تكن ثمة قناة تلفزيون والإذاعة لم تنقل الجلسات على الهواء أو بالتسجيل.
اكتفت بإذاعة الأخبار في نشراتها عما تسمح به المحكمة فيما طفقت الصحف في الولايات الثلاث تنشر ما يتصل بتلك الأخبار. المحامون.. عبد الحميد البكوش وكامل المقهور والتهامي التومي وعلي صدقي عبدالقادر.. وغيرهم تولوا الدفاع عن المتهمين. استمرت الجلسات تنعقد. كان المتهمون يحضرون تحت الحراسة من سجن الحصان الأسود* بطرابلس الذي يجمعهم تلك الأيام.
وكانت المعاملة بصورة عامة داخل السجن معقولة. السجناء لهم وضعهم الخاص بعيدا عن سجناء القضايا الجنائية وغيرها. كان ثمة مكتبة ممتازة داخل السجن يترددون عليها للاطلاع والقراءة وكان ثمة زيارات من الأقارب والأصدقاء ولم تحدث في داخله أيضا أية شوائب تشوبه من ناحية التعذيب أو التصفية على وجه العموم.
أحداث أخرى توالت وتزامنت مع القبض والمحاكمة ذلك الصيف. لم تصدر الأحزاب المماثلة في الوطن العربي أية بيانات عن قضية حزب البعث الليبي. لم يكن ثمة تعاطف أو ربما معرفة في الأساس بما حدث. العرب لم يعلموا شيئاً بذلك. في مرحلة تالية واهتماما من سامي حكيم اليهودي المصري عرض إلى القضية بشكل عام وذكر وقائع المحكمة وأسماء المتهمين في مؤلفه (هذه ليبيا).
كان على صلة بأحد المعارضين المعروفين للنظام الملكي في الخارج الذي ظل يزوده بالمعلومات والمصادر استفاد منها أيضاً في كل ما كتب عن ليبيا. كان قد زارها ووصل إلى فزان في أقصى الجنوب العام 1953 ونشر تحقيقات صحفية عنها في جريدة الأهرام.
في الداخل الليبي كانت الدولة تستعد لقرب احتفالات العيد العاشر لإعلان الاستقلال في 24 ديسمبر الذي سيحل أيام الشتاء. بعض الوقائع تمر سريعا في بنغازي تمثلت في تحقيقات تتعلق بتنظيم الوطنيين الأحرار شمل مجموعة من الشباب وقاده عبد القادر العلام وزير الخارجية السابق وسفير ليبيا في العراق ولامست التهمة من بعيد الأمير الحسن الرضا ولي العهد بتعاطفه مع الموضوع.
وتوقفت التحقيقات وخرج المقبوض عليهم دون حكم أو سجن. بعض الالتباسات حدثت أثناء إلقاء خطاب رئيس الحكومة محمد عثمان الصيد في العرض العسكري بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش في التاسع من أغسطس. وقضية العثور على مخطوط كتاب ليبيا العربية في مفترق الطرق لمحمد عبد الرزاق مناع لدى إبراهيم حماد أحد رموز الإخوان السابقين وصديقه محمد مصطفى الفرجاني أو كما يعرف بالشيخ الفيتوري.
عثرت الشرطة معهما على المخطوط. حماد كان صاحب المطبعة التي تعتزم نشره وكان البوليس تلك الليالي في وضع يقارب الطوارئ ملاحقة لقضية البعث فأخذا بجريرتها ثم تبين الأمر لم يكن كذلك واتجه إلى اتهام آخر حول الكتاب المنتظر. ثم في أيام قادمات مع اقتراب الخريف وحلوله.. يقع الانفصال بين سورية ومصر في سبتمبر 1961.
وتنشأ الصراعات والاختلافات في هذا السياق على مستوى المنطقة وتنعكس آثاره في ليبيا ويراجع الكثيرون من القوميين مواقفهم. ويحصل الشرخ والانهيار الكبير في أطراف الأمة. في سبها القصية معمر القذافي الطالب بالإعدادية يرفض الانفصال كما تردد في رواياته لاحقاً ويقود مظاهرة مع زملائه.
تطرده ولاية فزان ويواصل تعليمه في مصراتة التابعة لولاية طرابلس وتنال الزملاء عقوبات أخرى. ثم تنتشر رائحة تمرد في الجيش عقب استقالة أو إقالة اللواء السنوسي الأطيوش رئيس الأركان العامة. يتعاطف معه بعض الضباط من وحدات مختلفة في برقة.
يحاكمون ويخرجون من الخدمة العسكرية. أحداث ووقائع منظورة أو في الخفاء تتحرك أطيافها على ثنايا رماد تحت النار شكلت جملة من التفاعلات الساخنة التي صارت وكأنها نسجت في خيط واحد وبألوان متعددة.
المحكمة التي نظرت قضية حزب البعث رأت في القضية أنها مجرد جنحة. أصدرت أحكاماً متفاوتة لم يتجاوز أقصاها خمس سنوات وبرأت البعض وقررت أيضاً إبعاد العناصر العربية في القضية وإرجاعها إلى أقطارها.
بعض الطلاب نالوا عقوبات بسيطة ورجعوا أيضاً إلى دراستهم في الجامعة أو بقية المعاهد والمدارس. وفي كل الأحوال من قضى العقوبة عاد إلى سيرته الأولى في عمله ومهامه سواء في الدولة أو على المستوى الخاص.
إن هذا الأمر على سبيل المثال لم يحدث في فترة سبتمبر فقد ظل المتهم يقضي عقوبته إلى أقصى مدى ويبقى في السجن حتى بعد استكمالها وفي حال خروجه يستمر معه الظن والشك والمتابعة ويفقد عمله ولا يعود إليه ويخسر الكثير من مصالحه وتنتابه المشاعر الواضحة بأنه ما يزال تحت المجهر وسيكون تحت الطلب في أية لحظة. هذا حدث كثيراً مقارنة بفترة المحاكمات السياسية والاعتقالات في العهد الملكي.
إن العديد من عناصر هذه التنظيمات أفصح لي شخصياً بأن الدولة في ذلك العهد لم (تظلمهم) في الواقع المنظور فقد عاملتهم وفقا للقوانين السائدة التي تحظر أي نشاط معاد لها بحكم تلك القوانين. أشاروا إلى أن الدولة عاقبتهم وهم يعرفون جيداً أنهم وقعوا في المحظور. تحولات وتبدلات طرأت مع الزمن في العقول والأفكار مقارنة بما حصل للكثير منهم في فترة (الثورة) التي حلموا أيا كانت صورتها للتغيير والتطوير وكانوا من إرهاصاتها ومقدماتها بشكل أو آخر.
إن سلسلة من التغيرات سيشهدها الواقع الليبي بقوة فالمجتمع بدأ يتحرك نحو الأفضل. التعليم انتشر ونجح في إعداد أجيال متلاحقة وأوفدت الدولة العديد منهم للدراسة في أوروبا وأميركا وعادوا بحصيلة علمية وانفتاح وانصرف جلهم عن السياسة التي لم تعد في شاغل اهتمامهم. تركوها لغيرهم. ليبيا اكتشف فيها البترول العام 1954 وشرع في تصديره في أكتوبر 1961. حركة التصدير وعوائد إنتاجه حققت المزيد من التطلعات والمشروعات الاقتصادية.
كانت البلاد تلك الأيام ورشة طوال النهار. الشركات والنشاط ووضع التصورات والخطط للإفادة منه في تقدمها. صارت في وضع مختلف. تغيرت مفاهيم وتقاليد. ونشأ عن ذلك تحولات اجتماعية كبيرة.. النزوح إلى المدن وترك الزراعة والأرض والتوجه للعمل في حقول البترول والوظائف في المدن. ثم مظاهر جديدة من التأثرات الوافدة وحدوث بعض مظاهر الفساد على مستوى الأفراد والشركات والمرافق. كل هذه التطورات التي بدت في بعضها إيجابية وفي جزئها الآخر حمل جوانب من السلبية والخوف مما هو قادم أسهمت في نشر وعي جديد يختلف عن الوعي القديم. تطلعات أخرى عند الشباب وكل الأجيال.
التنظيمات العربية بدأت في غير توهجها السابق. لم ير الشعب العربي أي فعل يتحقق مما تنادي به الشعارات بين الأخوة فوق الأرض. الحدود هي الحدود. الشكوك هي الشكوك. والنفوس يسودها التشاؤم. وكل هذا مع الوقت ومروره يجد صداه كما أكدنا على الواقع الليبي وفراغه السياسي الذي لم يزل. لم تظهر خطة وطنية تتلافى صيانة الوطن والأجيال بمعناها الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. ظلت ليبيا دائماً صدى لصوت قوي ومؤثر يأتي من جوارها.
تخرج مبادرات ومحاولات للإصلاح لكنها لا تستمر. الحكومات تحاول ما استطاعت القيام بمسؤولياتها غير أن المحاولات تبقى في إطارها الرتيب دون أن تؤثر في عقول الأجيال التي تظل في بلادها بين فكين مختلفين.. في الشرق عبد الناصر وخطابه وصوت العرب وفي الغرب الحبيب بورقيبة الذي يؤكد على الهوية والشخصية المحلية بعيداً عن الأخوة في العروبة مع تمسكه بالعلاقات القوية وانفتاحه على أوروبا وأميركا. المواطن الليبي ظل يتأرجح كذلك بين الصوتين.. خطاب الرئيس وتوجيهات المجاهد الأكبر. لا مفر.
* في تلك الفترة كان اسمه "الحصان الأبيض". وغير اسمه معمر القذافي في فترة مبكرة من مجيئه للسلطة وجرى تغيير طلائه إلى الأسود. (المحرر).
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات