Atwasat

بين سبتمبر وفبراير: وحدة المعيار وامتحان الأخلاق!!

طارق القزيري الأحد 31 أغسطس 2025, 03:29 مساء
طارق القزيري

في يناير 2009، نشرت مقالاً بعنوان (الثوريون الشهب) بعد أن جلس بعض المعارضين الليبيين في قاعة يعتلي منصتها أحد أشرس وجوه النظام آنذاك، أحمد إبراهيم، وهو يلقي محاضرته في أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب، باسم سلطة قيل لعقود بأنها ديكتاتورية غاشمة.

بدت تلك اللحظة أشبه بصفعة مدوية، بالنسبة لي يومها، معارضون طالما هتفوا ضد الاستبداد، فإذا بهم يتهافتون على مقاعده، يبررون حضورهم بمزاعم الثقافة والحوار، فيما الحقيقة الصارخة أن النظام كان يستعيد عبرهم بعض شرعيته المفقودة.

لم يكن المشهد عارضاً أو خطأً فردياً، بل فعلاً سياسياً مقصوداً، وصادف أن تواكب كل هذا مع صعود مواقع مثل المنارة وليبيا اليوم، وخطاب الإخوان المسلمين، التي تبنت سردية «الإصلاح» و«ليبيا الغد» - المعلومة للجميع - بوصفها جسراً للتطبيع مع مشروع سيف الإسلام. هناك، تحول النقد إلى تبرير، والموقف الأخلاقي إلى مناورة، والحرية إلى شعار يعلّق على واجهة الطغيان.

المبدأ الجوهري لم يكن قد تغير، والاستبداد هو الاستبداد. معارضة القذافي لم تكن نزوة شخصية، بل موقفاً ضد نظام صادر الدستور، صادر الانتخابات، صادر الدولة لحساب العائلة والقبيلة، وأهدر حقوق الإنسان، وحوّل ليبيا إلى ضيعة تحكمها القبضة الأمنية.

لذلك كان منح شرعية لذلك النظام – بأي مسمى – انحداراً أخلاقياً لا يقل خطورة عن جرائمه.

واليوم، بعد فبراير، تتكرر المفارقة بوجه أكثر قتامة، فكل ما قيل عن سبتمبر لم ينته بسقوطه، بل اتسع وتشظى. السلطة لم تعد فردية بل تعددت رؤوسها وتناحرت مراكزها، الفساد لم يعد حكراً على نخبة ضيقة بل صار شبكة مفتوحة تلتهم كل ما تبقى من الدولة.

ليبيا اليوم مختنقة بذات الحصار؛ غياب الدستور، تغول الميليشيات، انسداد الأفق، وتردي الخدمات. والناس يرفعون أصواتهم باللعنات، مثقلين بذكريات الحروب، فيما الجوهر ثابت: ديكتاتورية، فساد، جريمة.

المفارقة أن وجوهاً من نظام سبتمبر – برغم قبحها – بدت أكثر رسوخاً وأفضل من أغلب نتاج فبراير، لأن الأولى خرجت من سياق دولة حديثة هي دولة الاستقلال، وقد عرفت معنى المؤسسات ولو بحدها الأدنى. بينما جاءت فبراير نتيجة لرداءة سبتمبر، وباتت فعليا بلا جدال أسوأ منها، وبطبقة سياسية هشة، لا تحمل إلا ميراث الحرب وصراعات الغنائم.

يذكرنا هذا بتلك العبارة «المجازية» في الفصل الأول من الكتاب الأخضر - نعم هو إياه -: «الطبقة التي ترث المجتمع ترث صفاته».

لكن المانع الأخلاقي هنا قاطع، فمن نعى على القذافي ديكتاتوريته، لا يجوز أن يبرر اليوم استبداداً أشد تشظياً. وبلغة أنطونيو غرامشي «الأزمة تكمن تحديداً في أن القديم يموت، والجديد لا يستطيع أن يولد».

الحرية ليست موسماً انتخابياً، ولا شعاراً ظرفياً، بل معيار كلي، يحاكم به الماضي والحاضر معاً. وما كان حراماً في سبتمبر، لا يمكن أن يصبح حلالاً في فبراير.

والأدهى أن يستدعى دم الشهداء لتزيين الخراب، وأن يرفع اسم الثورة لتبرير الخيانة.

هنا لا يعود الحديث عن تناقض سياسي بل عن سقوط أخلاقي شامل، أخطر حتى من جرائم الاستبداد، لأنه يُرتكب باسم القيم التي ولدت لمواجهته. متناسين نصيحة نيتشة الشهيرة «من يحارب الوحوش عليه أن يحذر ألا يصبح هو ذاته الوحش».

وكما يقول ميلان كونديرا «النضال ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان» والسكوت عن هذا الانحدار ليس حياداً؛ بل مشاركة في الجريمة. كما بدأ يفعل اليوم - في الجهتين - (الفبرايريون الشّهب).



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»