Atwasat

والله ما درت حاجة يا أفندي

توفيق عياد الشقروني الإثنين 25 أغسطس 2025, 01:53 مساء
توفيق عياد الشقروني

عندما تفتح أبواب السجون لتطلق سراح من غيّبتهم ظلما خلف قضبانها لعقود. يخرجون إلى النور حاملين على أجسادهم وأرواحهم ندوب سنوات القهر، وتستقبلهم الجموع كأبطال ومناضلين، وتتحول قصصهم إلى أيقونات للتضحية والصمود. لكن خلف هذه الصورة المشحونة بالعاطفة، والتي تحمل قدرا كبيرا من الحقيقة، تختبئ حقيقة أخرى أكثر تعقيدا ودقة، حقيقة تطرح تساؤلا جوهريا حول طبيعة «النضال» ذاته.

الكثير من السجناء السياسيين الذين ملأوا غياهب سجون نظام معمر القذافي لم يكونوا بالضرورة ثوارا أو معارضين منظمين. لقد كانت قصة العديد منهم تراجيدية من نوع مختلف. فمنهم من أُلقي القبض عليه في حملات «التطهير» الواسعة التي شنها النظام بدافع الخوف المبالغ فيه، ومنهم من سقط ضحية وشاية كاذبة، أو لمجرد لقاء عابر مع شخص مشبوه في نظر السلطة. المفارقة الأشد إيلاما أن القضاء المدني نفسه، بهامش الاستقلالية الضئيل الذي كان يملكه، أصدر للكثيرين منهم أحكاما بالبراءة لعدم كفاية الأدلة أو لثبوت عدم تورطهم.

لكن هذه الأحكام لم تكن تعني شيئا لزبانية النظام ولجانه الثورية، فقد كانت الكلمة الفصل لأجهزة القمع والمحاكم الثورية التي ألغت أحكام القضاء واستبدلتها بأحكام سياسية قاسية، تراوحت بين السجن المؤبد والإعدام.

هنا يكمن الظلم المركب الذي تعرضوا له: لم يُسجنوا نتيجة فعلٍ ارتكبوه، بل سُجنوا ككبش فداء لخوف النظام وجنونه الارتيابي. وعندما برأتهم المحاكم، أبقاهم بطش السلطة السياسية في زنازينهم. إنهم مظلومون بلا أدنى شك، ضحايا أبرياء لآلة قمع عمياء «أخذتهم في أرجل» حركتها الدموية.

ولكن، بعد أن انقشع الظلام وخرجوا إلى الحرية، تبنى الكثير منهم خطابا آخر. خرجوا علينا كمناضلين أشاوس، يتحدثون بلغة المقاومة والتحدي، ويروون سيرتهم كفصول من ملحمة نضالية ضد الديكتاتور.

وهنا يطرح التساؤل المشروع والمؤلم: عن أي نضال تتكلمون؟ إن الاعتراف بالظلم الفادح الذي وقع عليكم واجب إنساني وأخلاقي، ومعاناتكم حقيقة لا يمكن إنكارها. لكن المعاناة لا تصنع النضال بالضرورة. فالنضال هو فعل واعٍ، واختيار مقصود لمواجهة الظلم وتحمل تبعاته، وهو ما قام به البعض بالفعل، فدفعوا ثمن مواقفهم سجنا أو نفيا أو موتا. أما من حُكم له بالبراءة وأبقاه الظلم سجينا، فهو ضحية بامتياز، ومظلوميته هي شهادة إدانة للنظام، لكنها ليست بالضرورة شهادة نضال منه.

إن الخلط بين «المظلوم» و«المناضل» لا يخدم الحقيقة التاريخية. فهو من جهة، يضع الجميع في سلة واحدة، مميعا بذلك التضحيات النوعية لمن خططوا وعملوا وقاوموا عن وعي وإدراك. ومن جهة أخرى، فإنه يبني سردية وطنية جديدة على أساس غير دقيق، حيث تتحول المظلومية إلى رصيد سياسي، وتصبح المعاناة الشخصية بديلا عن المشروع الفكري أو البرنامج السياسي. إن إنصاف هؤلاء الضحايا لا يكون بمنحهم لقبا لم يسعوا إليه في الأصل، بل يكون بالاعتراف بقصتهم الحقيقية: قصة أناس أبرياء سحقهم نظام وحشي، وظلوا لسنوات يدفعون ثمن جريمة لم يرتكبوها. فشهادتهم كضحايا هي الأقوى والأكثر صدقا، وهي في حد ذاتها إدانة تاريخية كافية، لا تحتاج إلى تزيينها بعباءة النضال.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»