سنة 1993 كتبت قصة بعنوان «الاستخصاص» أدوّر فيها اشتقاقات مادة «خصص». تأخذ القصة شكل المقال الذي يستعرض محتويات وثيقة على شكل مقال صحفي. كانت ظاهرة نهب المال العام قد استفحلت، وكان النظام السابق يغض النظر عن هذا النهب فترة (حوالي عشر سنوات) ثم يطلق، على حين غرة، حملة مداهمات ومطاردات ومحاكمات، يخرج بعدها نهابون جدد.
المقال يتحدث بلسان «الاستخصاصيين» ويشرح «فلسفة الاستخصاص» وفائدته الاجتماعية.
تقول مقدمة القصة:
«للوهلة الأولى، فقط، أحس الذين طالعوا الصحيفة، بلذعة استغراب طفيف..
صحيح أن الأمر لم يعد سراً مقصوراً على المعنيين وتابعيهم، ولم تعد المجاهرة به مجلبة للاستهجان والشجب، بل صارت تدعو إلى الانبهار والإعجاب، إلا أن نشر الأمر في الصحف، بهذه العلنية وبهذا الاستعراض، يعد سابقة لافتة وسبقاً مرموقاً».
ويشار إلى أن الصحيفة المعروف أنها تنطق بلسان الدوائر الاستخصاصية أعلنت، في افتتاحيتها، أنها: «ستخصص، بداية من هذا العدد الذى بين يديك، أيها القارئ العزيز، صفحتين كاملتين لنشر فتوحات ذوي المناصب الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، في مجال الاستخصاص، بجميع أشكاله، وبسبل مبتكرة.
قد يعترض معترض تعرض عقله للتدجيل والتزييف المتوارث منذ فجر البشرية بأن هذا الاستخصاص ضد الصالح العام».
ويستطرد كاتب المقال المفترض «ونحن هنا نريد أن نفضح، مرة وإلى الأبد، دجل وشعوذة فلسفة الأخلاق moral philosophy التقليدية التي ابتدعت مقولتي الصالح العام public interest والصالح الخاص personal interest جاعلة منهما مقولتين متعارضتين والمؤمن بإحديهما عدوا للمؤمن بالأخرى». ويصل الكاتب المتخيل إلى نتيجة حاسمة هي «صالح واحد، لعمر واحد». وفي معرض إيضاحه للفائدة الاجتماعية للاستخصاص يتساءل «إذ لمن يستخص المستخص؟».
أليس لأفراد أسرته (وتعلمون ما تمتاز به أسرنا من كثرة عدد أفرادها).
وهكذا، فعندما يزداد عدد المستخصين تخص الفائدة قطاعات هائلة من المجتمع حتى تخص المجتمع كله، بحكم نواميس الاستخصاص».
الحقيقة أن هذا الكاتب المتخيل بذل جهدا يحسد عليه في شرح «فلسفة الاستخصاص» في حقبة نظام القذافي إذ ظهر أشخاص يمتلكون الملايين لا يعرف المرء كيف «استخصوها».
حكى لي ابني حيان أنه ذهب مع أحد أخواله إلى بعض معارف هذا الخال وكانوا يتندرون على أحد معارفهم الذي يتفاخر بأن ثروته وصلت خمسة وثلاثين مليون دينار ليبي قائلين:«يحساب خمسة وثلاثين مليون دينار فلوس».
بعد سقوط نظام معمر القذافي مؤكد أنه أصبح هناك من لا يعتبر مليار دينار ليبي ثروة يشاد بها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات