Atwasat

النهابون

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 24 أغسطس 2025, 05:31 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

سنة‭ ‬1993‭ ‬كتبت‭ ‬قصة‭ ‬بعنوان «‬الاستخصاص»‬‭ ‬أدوّر‭ ‬فيها‭ ‬اشتقاقات‭ ‬مادة‭ ‬‮ «خصص».‮‬‭ ‬تأخذ‭ ‬القصة‭ ‬شكل‭ ‬المقال‭ ‬الذي‭ ‬يستعرض‭ ‬محتويات‭ ‬وثيقة‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مقال‭ ‬صحفي.‭ ‬كانت‭ ‬ظاهرة‭ ‬نهب‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬قد‭ ‬استفحلت،‭ ‬وكان‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬يغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬النهب‭ ‬فترة ‬(حوالي‭ ‬عشر‭ ‬سنوات)‭ ‬ثم‭ ‬يطلق،‭ ‬على‭ ‬حين‭ ‬غرة،‭ ‬حملة‭ ‬مداهمات‭ ‬ومطاردات‭ ‬ومحاكمات،‭ ‬يخرج‭ ‬بعدها‭ ‬نهابون‭ ‬جدد‭.‬

المقال‭ ‬يتحدث‭ ‬بلسان‭ ‬‮«الاستخصاصيين»‬‭ ‬ويشرح‭ ‬‮ «فلسفة‭ ‬الاستخصاص»‮‬‭ ‬وفائدته‭ ‬الاجتماعية‭.‬

تقول‭ ‬مقدمة‭ ‬القصة‭:‬

‮«‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬فقط،‭ ‬أحس‭ ‬الذين‭ ‬طالعوا‭ ‬الصحيفة،‭ ‬بلذعة‭ ‬استغراب‭ ‬طفيف‭..‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬سراً‭ ‬مقصوراً‭ ‬على‭ ‬المعنيين‭ ‬وتابعيهم،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬المجاهرة‭ ‬به‭ ‬مجلبة‭ ‬للاستهجان‭ ‬والشجب،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬الانبهار‭ ‬والإعجاب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نشر‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬الصحف،‭ ‬بهذه‭ ‬العلنية‭ ‬وبهذا‭ ‬الاستعراض،‭ ‬يعد‭ ‬سابقة‭ ‬لافتة‭ ‬وسبقاً‭ ‬مرموقاً»‮‬‭.‬

ويشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصحيفة‭ ‬المعروف‭ ‬أنها‭ ‬تنطق‭ ‬بلسان‭ ‬الدوائر‭ ‬الاستخصاصية‭ ‬أعلنت،‭ ‬في‭ ‬افتتاحيتها،‭ ‬أنها:‭ ‬‮‬«ستخصص،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬الذى‭ ‬بين‭ ‬يديك،‭ ‬أيها‭ ‬القارئ‭ ‬العزيز،‭ ‬صفحتين‭ ‬كاملتين‭ ‬لنشر‭ ‬فتوحات‭ ‬ذوي‭ ‬المناصب‭ ‬الثقيلة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬والخفيفة،‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاستخصاص،‭ ‬بجميع‭ ‬أشكاله،‭ ‬وبسبل‭ ‬مبتكرة‭.‬

قد‭ ‬يعترض‭ ‬معترض‭ ‬تعرض‭ ‬عقله‭ ‬للتدجيل‭ ‬والتزييف‭ ‬المتوارث‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬البشرية‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الاستخصاص‭ ‬ضد‭ ‬الصالح‭ ‬العام»‮‬‭.‬

ويستطرد‭ ‬كاتب‭ ‬المقال‭ ‬المفترض ‬‮«‬ونحن‭ ‬هنا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نفضح،‭ ‬مرة‭ ‬وإلى‭ ‬الأبد،‭ ‬دجل‭ ‬وشعوذة‭ ‬فلسفة‭ ‬الأخلاق‭ ‬moral philosophy‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬ابتدعت‭ ‬مقولتي‭ ‬الصالح‭ ‬العام‭ ‬public interest‭ ‬والصالح‭ ‬الخاص‭ ‬personal interest‭ ‬جاعلة‭ ‬منهما‭ ‬مقولتين‭ ‬متعارضتين‭ ‬والمؤمن‭ ‬بإحديهما‭ ‬عدوا‭ ‬للمؤمن‭ ‬بالأخرى».‮‬‭ ‬ويصل‭ ‬الكاتب‭ ‬المتخيل‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬حاسمة‭ ‬هي ‬‮«‬صالح‭ ‬واحد،‭ ‬لعمر‭ ‬واحد».‮‬‭ ‬وفي‭ ‬معرض‭ ‬إيضاحه‭ ‬للفائدة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للاستخصاص‭ ‬يتساءل «‬إذ‭ ‬لمن‭ ‬يستخص‭ ‬المستخص؟».‭‬

أليس‭ ‬لأفراد‭ ‬أسرته (‬وتعلمون‭ ‬ما‭ ‬تمتاز‭ ‬به‭ ‬أسرنا‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬عدد‭ ‬أفرادها)‭.‬

وهكذا،‭ ‬فعندما‭ ‬يزداد‭ ‬عدد‭ ‬المستخصين‭ ‬تخص‭ ‬الفائدة‭ ‬قطاعات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬حتى‭ ‬تخص‭ ‬المجتمع‭ ‬كله،‭ ‬بحكم‭ ‬نواميس‭ ‬الاستخصاص»‮‬‭.‬

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬المتخيل‭ ‬بذل‭ ‬جهدا‭ ‬يحسد‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬شرح ‬‮«‬فلسفة‭ ‬الاستخصاص‮»‬‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬نظام‭ ‬القذافي‭ ‬إذ‭ ‬ظهر‭ ‬أشخاص‭ ‬يمتلكون‭ ‬الملايين‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬المرء‭ ‬كيف‭ ‬‮«‬استخصوها»‬‭.‬

حكى‭ ‬لي‭ ‬ابني‭ ‬حيان‭ ‬أنه‭ ‬ذهب‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬أخواله‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬معارف‭ ‬هذا‭ ‬الخال‭ ‬وكانوا‭ ‬يتندرون‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬معارفهم‭ ‬الذي‭ ‬يتفاخر‭ ‬بأن‭ ‬ثروته‭ ‬وصلت‭ ‬خمسة‭ ‬وثلاثين‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬ليبي‭ ‬قائلين:«يحساب‭ ‬خمسة‭ ‬وثلاثين‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬فلوس»‮‬‭.‬

بعد‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬مؤكد‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يعتبر‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬ليبي‭ ‬ثروة‭ ‬يشاد‭ ‬بها‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»