Atwasat

عن الكساد وقن الدجاج!

محمد عقيلة العمامي الإثنين 18 أغسطس 2025, 04:06 مساء
محمد عقيلة العمامي

للمرحوم صادق النيهوم قول بليغ، أذكر أنني وظفته، ذات مرة، لموضوع ما، يقول: «نحن الأرانب لا نأكل أحدا، ولا نحب أحدا أن يأكلنا!!». ولقد ورد في راويته «الحيوانات»، التي لم تنل حقها كاملا من البحث والتقييم، ولكنها تحفة نقد رائعة، فالتوظيف الرمزي للحيوانات تناوله عدد من لغات العالم.

بالطبع غالبا ما يحتاج الإنسان إلى أن يوظف رأيه بلا نقد مباشر، أو لتوصيل رسالة مبطنة لصديق أو جار من دون مواجهته، ومن ذلك هذه الحكاية التي يقول ساردها أن جارا له كانت له زريبة، يربي فيها دجاجا كثيرا، وما أن يشعشع الفجر حتى يفرج عن دجاجه، فينطلق نحو مزرعته، ويدخل مطبخه، ناهيك عن حقله، بلا ريبة أو خشية، فنبه جاره مرات، ولكن جاره لم يحفل به، لا هو ولا دجاجاته، وديوكه! فخطرت له فكرة نفذها في الحال، إذ شرع في نثر حفنة من الحبوب كل صباح من أول حدود مزرعته نحو حيز جهزه كقن للدجاج، مجهزا بركائز تفضل الديوك قضاء ليلتها عليها، وسريعا ما أخذ البيض يكثر عنده في أماكن انتقاها الدجاج لبيضه، حتى أن بعضها رقد فوقها! عندها انتبه جاره إلى ما حدث، فأغلق مخرج الدجاج نحو جاره، غير أن عددا من دجاجه رفض العودة المحزنة لقن هذا الجار، الذي لا يعرف «(البقرى) إلا بالكرشة!».

أما الحكاية الثانية فهي عن سلوك سكان المدن الكبيرة، فهم، في الغالب، لا ينتبهون إلى سلوكهم اليومي، ولكن سكان القرى البسيطة ينتبهون إلى غرابته، فلو قدر لرب عائلة يسكن في «قمينس» أو «دريانة» القريبتين من بنغازي أن ينزل ضيفا على ابن عمه أو صديقه في مدينة، مثل بنغازي أو درنة أو طبرق مثلا، وقد يرافقه إلى محل بقالته، ويتعرف على أصدقائه، ويقضى وقت فراغه معهم، وسريعا ما يصبحون أصدقاءه، سوف ينتبه بسهولة إلى أنهم يغادرون سياراتهم التي يركنونها في الضفة المقابلة للمحل، ويأتون مسرعين نحوه كأن جنا يطاردهم، وما إن يلقوا تحيتهم الصباحية أو المسائية حتى يسحبوا كرسيا، أو صندوقا خشبيا، ويجلسون عليه، ثم يأخذون في الالتفات يمينا ويسارا لدقائق، وقد يقومون مسرعين إما لابتياع صحيفة، أو لإحضار قهوة، أو شاي من المقهى المجاور. وسريعا ما ينتبه إلى أنهم مستعجلون! على الرغم من عدم وجود سبب لذلك، ومثلما قال ذات مرة أحدهم: «عندما خلق الله الوقت في بلادنا، جعله طويلا جدا، حتى إننا كثيرا ما نجتمع، خصيصا، لتقصيره!».

وما إن يصل أحدهم حتى يلتفت يمينا ويسارا. وفور أن يرى كرسيا، أو صندوقا خشبيا فارغا، يسحبه بهدوء ويجلس فوقه، أحيانا حتى قبل أن يصل صاحب المكان، ليقصر معه الوقت! وأحيانا إن كان صاحب المكان مشغولا، يلتقط صحيفة، أو مجلة، أو ورقه دعائية ويقرأها، كما لو أنه سيمتحن في معلوماتها! وأحيانا إذا كان صديقه، صاحب المكان، مشغولا عنه لأمر ما، يقضي وقته، ثم يغادر مسرعا، وكأنه على موعد مهم!

نحن، وأصحابنا، وأبناء عمومتنا، أكرمنا الله بروح مرحة وطيبة، وما زلت أضحك من تعقيب قاله رجل مهيب، صديق ابن عمى الذي كنت في زيارته منذ فترة، أن أحد أصحابه تهالك على صندوق خشبي بجواره، وقال له: «أحس وكأنني اليوم في الخامسة والسبعين من عمري»، فرد عليه مجاملا: «يا راجل حمدا لله أنك ما زلت شباب»، فقاطعه ضاحكا: «لا وراسك ما فيه شاب عمره 85 سنة.. نقصت 10 سنين من عمري، لنخدعك، حتى لا تقوم وتقدم لي كرسيك!».

الخلاصة، أن دجاجا وفر له الله وقتا وبابا للرزق، فخلق منه وطنا جديدا، ونحن كلما وفر لنا وقت فراغ، نجتمع لتقصيره!.. «كساد يا سي!».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»