تأتي ذكرى تأسيس الجيش هذه المرة ليس كمناسبة لاجترار الماضي فحسب، بل لمساءلة الحاضر، وفحص الأسس التي تُبنى عليها الجيوش الوطنية، وكيف تُختطف حين يُستبدَل الدستور بمنطق القوة.
فلا يكفي أن نستعيد صور المؤسسين وبدايات التشكيل.
علينا أن نتأمل في الأسس التي بُني عليها الجيش، وتُبنى عليها الجيوش الوطنية في كل الدول المستقرة.
فالجيش، شأنه شأن الانتخابات، لا يمكن أن يولد أو ينهض خارج إطار دستوري واضح ومشروع متوافق عليه.
وحين تتولى الجيوش تأسيس الدول أو الاستيلاء على السلطة خارج هذا الإطار، تكون النتيجة غالبًا دولًا هشّة.
ذلك لأن القوة المسلحة تتحول إلى أداة بيد مجموعة ضيقة تنتحل صفة المؤسسة الوطنية، وتعمل بمنطق عصابي أقرب إلى المافيا.
فتستولي على السلطة وتنهب الموارد، وتقيّد حرية المواطنين وحقهم في الأمن والرفاه.
ولنا في الواقع المعاصر شواهد عديدة: من مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى السودان وأفريقيا الوسطى بانقلاباتها المتكررة، ونيجيريا بتاريخها الطويل مع الحكم العسكري.
ولا يوجد في العالم جيش حقيقي تقوده عائلة أو قبيلة أو منطقة. فالجيوش مؤسسات، وأساس المؤسسة هو الحوكمة والالتزام بالقانون.
ومن هنا، فإن بناء جيش ليبي موحد وقوي يبدأ من الإجابة عن سؤالين جوهريين: من يملك السلطة على هذا الجيش؟ وما هي مهامه؟
وهذان السؤالان لا يمكن حسمهما إلا في إطار عقد اجتماعي يحدد المبادئ الكبرى التي تُؤسّس الدولة.
أما ما نراه اليوم، ففي أحسن الأحوال، لا يتجاوز محاولات تفتقر إلى الأسس الصحيحة لبناء جيش وطني.
وفي كثير من الأحيان، هي مجرد مليشيات تنتحل صورة المؤسسة.
تعمل بأسلوب عصابي يهدف إلى احتكار السلطة تحت غطاء تأسيس جيش وطني، بينما الواقع يكشف أنها سلطة مغتصبة تسعى لمد قبضتها على الدولة والمجتمع.
وهذا ليس تنظيرًا بعيدًا عن التجربة الليبية.
فقد جاء تعيين المشير خليفة حفتر لنجله صدام نائبًا للقائد العام في أغسطس الجاري ليكرّس منطق السيطرة العائلية على أهم منصب عسكري بعد القائد العام.
وهي خطوة وصفها كثيرون بأنها تأسيس لهيكل قيادة قائم على الولاء الشخصي لا على التراتبية المؤسسية.
وقبل ذلك بست سنوات، مثّل اختطاف النائبة سهام سرقيوة في بنغازي - بعد انتقادها هجوم قوات حفتر على طرابلس - نموذجًا صارخًا لانحراف أمني وأخلاقي عميق.
وقد أشارت تقارير حقوقية دولية إلى احتمال تعرضها للتعذيب والاعتداء قبل قتلها، وتُدوولت مؤخرًا صور مسرّبة توثّق تعرضها لاعتداء جسدي، دون أن يترتب على ذلك أي مساءلة حتى اليوم.
هاتان الواقعتان، رغم اختلاف سياقهما، تكشفان خيطًا واحدًا: بنية أمنية وعسكرية لا تخضع للمحاسبة، تدير السلطة بمنطق الامتلاك، وتتعامل مع المعارضين كتهديد يجب إسكاته.
وهذا يجعلها أبعد ما تكون عن نموذج الجيش الوطني الذي يحمي الدولة والمجتمع.
ولكي نمتلك الوعي بأسس البناء، علينا أولًا أن نفهم أسباب الانهيار.
وهذا يقودنا للإجابة عن السؤال الجوهري: كيف انهار جيشنا الوطني؟
الانهيار لم يكن عسكريًا فقط، بل سياسيًا ودستوريًا.
ففي عام 1951، وُلد الجيش في ظل دستور فدرالي مؤسِّس قامت فيه الدولة على شراكة بين أقاليم برقة وطرابلس وفزان.
لكن في عام 1963، أُقر تعديل دستوري ألغى النظام الفدرالي، وحوّل البلاد إلى دولة موحدة بسلطة مركزية.
هذا التحول أضعف التوازنات التي قام عليها العقد الاجتماعي، وقلّص تمثيل الأقاليم في القرار السياسي.
ومهّد الطريق لاحتكار السلطة وتهميش مكونات أساسية من الدولة.
ومع غياب آليات الضبط والمساءلة التي وفّرها النظام الفدرالي، صار الجيش عرضة للتسييس، وتحول من مؤسسة وطنية إلى أداة في الصراعات.
وكانت النتيجة انهياره الكامل مع سقوط النظام الملكي عام 1969.
إن استعادة جيش وطني موحد لا تتحقق بالشعارات أو بتبديل الأسماء.
بل بإعادة تأسيس الدولة على عقد اجتماعي جديد، يحدّد بوضوح من يملك القرار العسكري، وما هي مهام الجيش، وفي أي إطار قانوني ودستوري يعمل.
فلا أمن بلا شرعية، ولا شرعية بلا شراكة، ولا شراكة بلا دستور يعبّر عن جميع الليبيين.
وأي مشروع لبناء الجيش خارج هذا السياق لن يكون سوى إعادة إنتاج للدائرة المفرغة: سلطة تحتكرها قلة، ومؤسسة بلا مضمون، وشعب بين مطرقة الفوضى وسندان الاستبداد.
إن ذكرى تأسيس الجيش يجب أن تكون لحظة لمراجعة المسار وتصحيح البوصلة، لا مناسبة للاحتفال بمؤسسة لم تستعد بعد دورها الحقيقي في خدمة الوطن والمواطن.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات