قد يرى الذي يجد الوقت لقراءة هذه السطور أنها تأخرت عن الوقت الذي كان ينبغي أن تكون قد احتلت مكانها في آخر مقال تيسر لي نشره في هذه المساحة، باعتبار موضوعها أكثر أهمية وأقرب وشيجة لما اعتدت أن أتخذ منه المنطلق، وأثق في حفاظه على المشترك الأكثر قدرة على إثارة اهتمام المُتلقِّي، فمشكلة الهجرة غير الشرعية التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى خطر يهدد أمن أكثر من دولة، وصارت بلادنا أكبر مساحة صالحة لاستغلاله والاستفادة من سخي تسهيلاته وتعدد لقاءاته.
فغدا يمثل أولوية تتقدم على جميع الأولويات، ونشاطا من الأنشطة التي يستوي فيها مردود البناء والهدم بما هو ثروة تفوق جميع الثروات وخطرا تضؤل أمامه كل المخاطر حتى إننا رأينا أخيرا إيطاليا التي أفلحت قبل قرن مضى في إجبار تركيا على التنازل عن ليبيا التي كانت في ذلك التاريخ ولاية من ولاياتها، فتركتها للفوضى والحروب الأهلية إلى آخر ما دأبت على بثه وسائل الإعلام وهي تبشر بقدوم الطليان.
نقول إننا رأينا الدولتين تجتمعان وتجدان الطرف الليبي الذي يشارك أخيرا في اللقاء الثلاثي، بل ويقترح الشريك الرابع ليُدعى من أقاصي الخليج ليُسهم في بحث هذه المشكلة التي صارت محط اهتمام أكثر من طرف، ومصدر تهديد لأكثر من أمن، بما عليه الهجرة المذكورة من ضمان أكثر من مصدر ربحي دفع إلى تشكيل عديد الجماعات المتحالفة والتي تحولت إلى ما يشبه الجراثيم القادرة على اختراق أي جسم من الأجسام التي طالما اعتقد البعض أنها قد حُصِّنَت بشيء من الجرعات.
فإذا الأيام تثبت زوال فاعلية أي مصل من الأمصال فنداء المصلحة كثيرا ما يتحول إلى المطهر الذي لن يصعب عليه إبطال مفعول أي كابح من الكوابح روحانيا كان أو ماديا، وعندما تحتضن تركيا أردوغان بما هي عليه من استثمار للهوية الإسلامية هذا الاجتماع المكرس للهجرة غير الشرعية، بحضور رئيسة الحكومة الإيطالية معيدة إلى ذاكرتنا معشر الوطنيين الليبيين المسكونين بكبريات الأحداث التي شهدها التاريخ قبل قرن مضى.
تنازلت في مطلعه دولة الرجل المريض عن ليبيا ورفض الأجداد في تلك الأيام وأقرّهم عليه بعض العسكريين الأتراك اعتمادا على ما لديهم من السلاح وما تسابقت إليه عديد الزعامات لإشهار كياناتها وتحقيق الممكن من استقلالها وما تلا ذلك كله من الأحداث التي ليس خارجها الطموح وما رافقه من الإكراهات التي ليس من المستبعد أن تتكرر هذه المرة من مدخل الهجرة غير الشرعية التي طالما ألقيت تبعتها على ليبيا، ليس في هذا الزمن وحسب.
وإنما منذ أن كان النظام الشمولي السابق يقدم على أكثر من سياسة يلوح منها ما كان يطمح إليه من دور، ويلوح ما يفيد باشتباه الليلة بالبارحة، فليس لمن يراقب من بعيد سوى إعادة القول المعروف لمن قد يسمع حذار من تكرار «اللدغ» من الجحر الواحد مرتين.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات