«ماذا لو استيقظنا غدًا ووجدنا أن النفط لم يعد ذا قيمة، أو أن الحقول بدأت تنضب، أو أن العالم تجاوزنا في سباق الطاقة المتجددة؟».. هذا السؤال لم يعد ترفًا نظريًا أو مادة لندوات أكاديمية، بل أصبح أحد أهم تحديات الأمن القومي الليبي، وسط عالم يتغير بسرعة، واقتصاد دولي يُعيد ترتيب أولوياته بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
ليبيا، منذ عقود، تعتمد على ريع النفط كمصدر شبه وحيد لتمويل موازنتها. ففي عام 2022، شكّلت العوائد النفطية أكثر من 96% من إجمالي الإيرادات العامة، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي. هذا الاعتماد المفرط جعل الاقتصاد الليبي هشًا، شديد التأثر بأي هزة في السوق العالمية. وعلى الرغم من تعاقب الحكومات والخطط والشعارات، لم نشهد بعد تحولًا حقيقيًا نحو اقتصاد إنتاجي قادر على الاستمرار في غياب النفط.
في واقع الحال، الدولة الليبية تموّل أكثر من 85% من الوظائف، ومعظم الإنفاق يذهب إلى الرواتب والدعم، بينما القطاعات الإنتاجية تكاد تكون معطلة. الزراعة تمثل أقل من 2% من الناتج المحلي، والصناعة التحويلية لا تتجاوز 3%. أما السياحة فبقيت رهينة الإهمال والاضطرابات. الاقتصاد الرقمي، الذي بات أحد ركائز النمو في العالم، لا يزال غائبًا عن خريطة الدولة، على الرغم من أن أكثر من 70% من المواطنين يمتلكون هواتف ذكية.
الأخطر من ذلك أن الاستمرار في هذا النمط الريعي، دون استراتيجية استباقية بديلة، يحمل في طياته مخاطر حقيقية تهدد بقاء الدولة نفسها على المدى المتوسط. فما الذي سيحدث حين تبدأ الحقول في التراجع؟ حين تتقلص العوائد بشكل مفاجئ؟ حين تعجز الدولة عن تمويل الرواتب والدعم والخدمات؟ الجواب واضح: انهيار مالي محتمل، وتفكك في منظومة الخدمات الأساسية، وصعود معدلات البطالة والفقر، واضطرابات اجتماعية حادة، وانكماش في الدور الليبي إقليميًا ودوليًا.
هذه ليست مجرد فرضيات. لقد شهدنا دولًا كانت تعتمد على النفط أو الموارد الطبيعية بشكل كلي، ثم انهارت اقتصاديًا عندما انتهت تلك الموارد أو فقدت قيمتها. الفارق الوحيد أن بعضها تحرك في الوقت المناسب، بينما آخرون اكتفوا بالمشاهدة حتى اللحظة الأخيرة.
الخبر الجيد هو أن ليبيا لا تفتقر إلى البدائل، فالبلاد تمتلك أكثر من 6 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية، ومخزونًا هائلًا من المياه الجوفية في الجنوب، وشريطًا ساحليًا يمتد على أكثر من 1800 كيلومتر، و1500 موقع أثري من العصور الرومانية والإغريقية، وبيئة مثالية للاستثمار في الطاقة الشمسية، بمتوسط 3000 ساعة إشعاع شمسي سنويًا. أضف إلى ذلك كثافة سكانية منخفضة، وموقعًا جغرافيًا فريدًا يربط إفريقيا بأوروبا.
التجارب العالمية تؤكد أن التحول ممكن. الإمارات مثلًا لم تتخل عن النفط، لكنها استخدمته كوسيلة لبناء اقتصاد متنوع، لتصبح اليوم مركزًا عالميًا للسياحة والخدمات والتكنولوجيا. النرويج أنشأت صندوقًا سياديًا ضخمًا، يستثمر عوائد النفط من أجل الأجيال القادمة. السعودية أطلقت رؤية 2030، واستثمرت في الصناعة والسياحة والثقافة. رواندا، على الرغم من فقرها، حولت التعليم والتكنولوجيا إلى أداة للنمو المستدام، لتصبح من أسرع اقتصادات إفريقيا نموًا.
ما تحتاجه ليبيا ليس مزيدًا من الخطط الورقية، بل رؤية وطنية شجاعة تبدأ من الآن، ترتكز على إنشاء صندوق سيادي، لحماية الفوائض، وتأسيس هيئة عليا لتنويع الاقتصاد ترتبط مباشرة بمجلس الوزراء، وتحفيز الاستثمار في الزراعة والطاقة والسياحة، وربط التعليم بسوق العمل، وتشجيع القطاع الخاص، وبناء شراكات دولية حقيقية خارج قطاع النفط.
النفط ليس عدوًا، لكنه لن يدوم إلى الأبد. قد يكون بوابة للنهضة، وقد يكون قيدًا إذا بقينا أسرى لعائداته.
الوقت لم يفت بعد، لكن النافذة تضيق. فلنغتنم اللحظة قبل أن نصبح شعبًا يراقب آخر برميل نفط يُشحن، دون أن يملك خطة ليوم بعده.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات