أذكر أني شاهدت، منذ عقود، فيلما «إسرائيليا» على إحدى القنوات التلفزية الفرنسية، موضوعه أسر مجموعة من أفراد المقاومة اللبنانية جنديين «إسرائيليين». ويتتبع الفيلم رحلة اقتياد الجنديين إلى أراضي الداخل اللبناني الآمنة. وضمن مجموعة المقاومة الخاطفة هذه، يوجد رجل ساذج يحمل مذياعا، وينصت إليه دوما. في لحظة يتوقف المذياع عن العمل فجأة، فيشرع في ضربه بيده في عصبية واضحة. يتناول أحد الجنديين منه المذياع ويفتحه، ثم يسوي فيه بسرعة شيئا بسيطا، سلكا مثلا، ويُعيده إليه، فيعود المذياع إلى الاشتغال كما كان.
الرسالة واضحة، وتؤدى بقدر وافر من الفجاجة: إسرائيل واحة العلم والتكنولوجيا، إلى جانب الديمقراطية طبعا، وسط صحراء من الجهل والتخلف. وهذا، بأسف أو دونه، صحيح إلى حد كبير.
لكن الموازين تغيرت مؤخرا، وإن لم تتعادل، حين بدأت المقاومة الفلسطينية، أولا، ثم اللبنانية واليمنية، تُصنع أسلحتها بنفسها وتعيد، المقاومة الفلسطينية بالذات، تدوير القنابل والصواريخ «الإسرائيلية» التي لم تنفجر، بحيث تصنع منها عبوات ناسفة تدمر بها دبابات العدو وآلياته، وتستولي، في بعض الأحيان، سيبرانيا على مسيرات العدو التجسسية، وتقوم بهجمات سيبرانية على أجهزة العدو السيبرانية. كما أنها امتلكت أسرار الصناعة العكسية.
بهذا تكون المقاومة قد زعزعت مسألة استفراد الكيان الصهيوني بالمجال العلمي والتكنولوجي واحتكاره لهما.
وهذا تطور في موازين القوى يرعب دولة الكيان الصهيوني ويصيب توازنها بالاضطراب، بحيث أصبحت تخشى، خشية حقيقية، على مستقبلها الوجودي في المنطقة.
وأذكر أيضا أنني شاهدت، منذ سنوات بعيدة، على قناة «المنار» اللبنانية، التابعة لـ«حزب الله»، برنامجا منقولا عن إحدى القنوات التلفزية «الإسرائيلية»، تبث فيه هذه القناة «كليبا» ذا محتوى معاديا لدولة الكيان، من إنتاج المقاومة اللبنانية، يتميز بشكل فني متقن وجماليات بصرية عالية. أحد ضيوف البرنامج الإسرائيليين علق تعليقا مؤداه: «ما دام هناك من أعدائنا من يمكنه إنتاج «كليب» بهذا الإتقان، فمصير إسرائيل في خطر».
خلاصة الموضوع، إن العرب، ممثلين في حركات المقاومة وليس الأنظمة، شرعوا في الخروج من دائرة التخلف العلمي والتكنولوجي على نحو يزعزع تفوق «إسرائيل» الهائل في هذين المجالين، وتوهمها استدامة وجودها في المنطقة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات