Atwasat

الشرق الأوسط بين سندان الهيمنة ومطرقة التطهير

أحمد معيوف السبت 28 يونيو 2025, 01:00 مساء
أحمد معيوف

منذ الأحداث الأخيرة التي أعقبت ربيع الثورات التي لم تكتمل، تبين أن كل دول العالم تسعى إلى الهيمنة في مستوياتها جميعا أو في أحدها، فهي لا تتورع عن أن تهيمن سياسيا أولا ومن ثم اقتصاديا وأمنيا وحتى ثقافيا على باقي المجتمعات. لكن تماسك بعض الدول الناتج عن التلاحم بين شعوبها وأنظمتها الحاكمة أو حتى مجرد تماسك نظامها القائم يفشل مساعي الدول الأخرى في فرض هيمنتها، إلا أن محاولات الهيمنة لا تنتهي، وضعف النظام الدولي وانهيار منظومته الأخلاقية ساعدا في تمرير سياسات بعض الدول التوسعية.

إيران
إيران، كإحدى أهم دول الشرق الأوسط عملت وتعمل جاهدة في تكريس هيمنتها على المنطقة، وهي لا تخفي هذا الأمر منذ أن جاء الخميني بثورته إلى إيران، وتصريحاته في هذا السياق حول «تصدير الثورة» و«إيقاظ الشعوب الإسلامية»، و«وحدة الأمة الإسلامية» و«التحرر من هيمنة الغرب» كانت جدا واضحة وصريحة، على الرغم من أنه لم يكن يقصد إنهاء الكيانات الوطنية، بل يدعم استقلالها سياسيا.

وقد نجح النظام الإيراني في مشروعه وحقق نفوذا واسعا في الإقليم من خلال إنشاء ودعم حلف له كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق، بل تحالف مع نظام قائم في سورية في زمن الأسد وقبل سقوطه بأشهر قليلة.
وإيران منذ تورثها في العام 1979 مازالت تعتبر أن وجود القواعد الأمريكية في الخليج ووجود إسرائيل يشكلان تهديدا مباشرا لأمنها القومي، لذلك سعت إلى خلق مناطق نفوذ على حدود من تعتبرهم يشكلون هذا التهديد. كما استخدمت موقعها الجغرافي في التحكم في مضيق هرمز الذي يعتبر أحد أهم معابر الطاقة والتجارة العالمية، فهو بحق شريان النفط العالمي، ذلك أن 20 % من النفط العالمي، وما يزيد على 17 مليون برميل من النفط والغاز المسال يمر عبر هذا المضيق يوميا، وتقع عليه أهم موانئ تصدير النفط السعودي والكويتي والعراقي والإماراتي، وتعتمد قطر كليا على هذا المعبر في تصدير غازها المسال، والذي يشكل ثلث صادرات العالم من الغاز.
باختصار، إيران تبحث عن مكانة استراتيجية تجعل منها لاعباً رئيسياً في تحديد مصير المنطقة، خاصة في ظل التنافس مع دول مثل السعودية وتركيا وإسرائيل، ومع تدخل القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا. هذه المكانة لن تتحقق لها إلا عن طريق تحقيق هيمنة كاملة عن طريق الاحتلال وهذا غير ممكن، أو عن طريق حلفائها الإقليميين وأيديولوجيتها التي استطاعت تصديرها لدول الجوار.
نرى الآن أن إيران قد نجحت في تحقيق بعض أهدافها في المنطقة، فهي تملك نفوذا واضحا في أربع عواصم عربية (تقلص دورها في سورية بعد سقوط الأسد)، وأصبح نفوذها يمتد من إيران حتى البحر الأبيض مشكلة بذلك النفوذ ما يمكن أن يوصف بأنه هلال شيعي، كما لا تخفى على أحد قوة الميليشيات التي شكلتها على طول هذا الهلال.

إسرائيل
الحديث عن إسرائيل حديث جوهري، فهو يمس لب التحوّلات في الشرق الأوسط. ولدولة إسرائيل مجموعة من الأهداف، تتضمنها أهداف أمنية يفرضها وجودها في محيط لا تنتمي إليه، وأهداف سياسية، وأخرى اقتصادية وأيديولوجية. وجميعها تدور حول محور مشترك وهو ضمان بقاء الدولة اليهودية وتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي.

يهمنا هنا أكثر الهدف السياسي، والذي يشكل جوهر التهديد الوجودي للكيان العربي في الشرق الأوسط، ذلك أن هذا الهدف يشكل مركزية استراتيجيتها، وتتجاوز الداخل لتطال ميزان القوى الإقليمي ومستقبل الشعب الفلسطيني.

يتجلى أهم هذه الأهداف في الدستوري اليهودي، الذي ورغم تقديمها كنموذج لدولة ديمقراطية، إلا أن الدستور اليهودي يسعى لدفع دول العالم والمجتمع الدولي إلى الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، ورغم عدم وجود دستور مكتوب لدولة إسرائيل، إلا أن الدولة تعمل تحت سيادة ما يعرف بـ«قوانين الأساس» والتي تشكل الإطار الدستوري للدولة. وقد أقر الكنيست في منتصف العام 2018 يهودية الدولة، وخفض هذا القانون من مستوى اللغة العربية من اعتبارها «لغة رسمية» إلى جانب العبرية إلى «لغة ذات مكانة خاصة». والسؤال: ما معنى هذا القانون؟. الحقيقة هذا القانون يمثل أول بوح إسرائيلي رسمي في تطهير إسرائيل من أي وجود غير يهودي، وبمعنى أدق التطهير العرقي لفلسطين.

قامت منهجية العمل الإسرائيلي على هذا الهدف في محاولة التطبيع مع أكبر عدد من الدول العربية، وقد نجحت لحد كبير في تحقيق هذا الأمر. فقد جاءت أولى النجاحات في تكبيل مصر باتفاقية كامب ديفيد، تلاها في الركب الأردن عبر اتفاقية وادي عربة. وفي ولاية ترامب الأولى قام جاريد كوشنر عراب «اتفاقيات أبراهام» بتحقيق اختراق أكبر في السياج العربي، فانضمت إلى ركب التطبيع كل من الإمارات والبحرين وموريتانيا والمغرب والسودان. ولولا 7 أكتوبر لالتحقت باقي الدول العربية بقطار التطبيع.
هكذا نجحت إسرائيل في كسر الإجماع العربي حول «قضيتهم المركزية، وتحقق لليهود إلغاء مركزية القضية الفلسطينية، ليس فقط في بعدها الإقليمي بل والدولي، وتمثل حرب غزة العلامة الكبرى الدالة على إزالة الوجود العربي من فلسطين كليا، عبر تطهير عرقي ممنهج يدعمه النظام الغربي ضاربا بعرض الحائط كل القيم الإنسانية والقوانين والمواثيق الدولية.

الخلاصة
كما أشرت في بداية المقال، فالهيمنة ممارسة دولية مستمرة، تمارسها تقريبا كل دول العالم في حدود إمكانياتها المتاحة، وهي ليست حكرا على الدول الكبرى. فدور ليبيا وهيمنتها على الساحة الأفريقية كانت صارخة على زمن نظام القذافي، وقد توجت بإنشاء الاتحاد الأفريقي الذي انتهى تقريبا بنهاية نظام القذافي. وتصدير الأيديولوجيات ليست حكرا على إيران، السعودية أيضا عبر الحركة الوهابية ووريثتيها الجامية والمدخلية استطاعت أن يصبح لها اليد الطولي في العديد من الدول، واستعملت قطر جماعة الإخوان ومركزها الاقتصادي في فرض بعض الهيمنة على بعض الدول التي كان للجماعة دور قيادي فيها، ونجحت الإمارات من خلال توظيف مركزها الاقتصادي في إفشال ثورات الربيع والهيمنة على بعض دوله. لكن يظل هذا الخطر الذي تمارسه هذه الدول محدودا جدا أمام التهديد الوجودي الذي تمارسه إسرائيل، فإسرائيل تسعى إلى إبادة شعب والتهجير القسري له، وتسعى إلى توسيع رقعتها الجغرافية لتتعدى حدود فلسطين التاريخية لتمتد من النيل إلى الفرات.

إذا، مساعي إيران في الهيمنة على نطاقها الإقليمي تتضاءل كثيرا أمام هذا التهديد الوجودي الذي تمثله إسرائيل، وإذا كانت إيران اليوم هي المستهدفة، فهذا لا يعني أن باقي دول الإقليم بعيدة عن «شهوة» إسرائيل في التوسع، بل ستكون اللاحقة، وكما نجحت إسرائيل في أن تتوسع في عملية التطبيع مع دول الإقليم، فهي قادرة على أن تحقق نجاحا مماثلا في التوسع على حساب شعوب المنطقة وإنهاء وجود بعضها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»