Atwasat

ميثولوجيا الحداثة

محمد خليفة الخميس 22 مايو 2025, 07:16 مساء
محمد خليفة

في تشخيصه للحالة العربية يقول لورنس العرب ما يأتي: " العرب لم ينشؤا أنظمة فلسفية، ولا ميثولوجيات معقدة. إنهم يشقون طريقهم بين أصنام القبيلة وأصنام الكهف؛ أما أصنام المسرح وأصنام السوق فكانت أبعد من مدى نظرهم".
The Arabs invented no systems of philosophy, no complex mythologies. They steered their course between the idols of the tribe and cave: those of the theater and market-place were not within their sight.

ولما كانت الأصنام آلهة، والآلهة من مشمولات الميثولوجيا (علوم الأساطير) في أوربا، فمن الطبيعي ألا تكون في مدى نظر العربي، لأنه مازال يطفو على سطح الأفكار وتغلب عليه الأمية في زمن حلت فيه أصنام الفكر محل أصنام الحجر. بعبارة أخرى؛ من لا علم له بميثولوجيا الحداثة لن يرى جوانب الألوهية في نظريتي الدولة والثورة باعتبارهما من أصنام المسرح (السياسي)، التي لا قدرة للعربي على التفريق بينها وبين الحكومة. لا بد إذن؛ من الكشف عن حقيقة الدولة والثورة والعلاقة بينهما في ميثولوجيا الحداثة.

أولاً. ميثولوجيا الدولة.
الأساس الذي أقام عليه هوبس نظرية الدولة من عالم الأساطير المعقدة complex mythologies التي تحدث عنها لورنس كما تقدم. لقد صرح هوبس من أول سطر في نظرية الدولة (ليفايثان) أن نظريته عمل فني وليست منجزا علميا. وينطلق هوبس لأسطرة الدولة على النحو الآتي:
الطبيعة (حيث يتجلى إبداع الإله في خلق وتدبير العالم...) هي ما يحاكيه إبداع الإنسان عندما يخترع حيوانًا اصطناعيًا...! ويذهب الإبداع أبعد من ذلك في تقليد ذلك العمل العظيم والعقلاني للطبيعة، الإنسان. فبالإبداع خُلق ليفايثان العظيم الذي يدعى كومنولث، أو دولة (مدينة في اللاتينية)، وهو ليس شيئًا سوى إنسان اصطناعي... أما السيادة فهي روح اصطناعية تعطي كامل الجسد الحياة والحركة.

NATURE (the art whereby God hath made and governs the world) is by the art of man, as in many other things, so in this also imitated, that it can make an artificial animal…! Art goes yet further, imitating that rational and most excellent work of Nature, man. For by art is created that great Leviathan called a COMMONWEALTH, or a STATE (in Latin CIVITAS), which is but an artificial man…Sovereignty is an artificial soul, as giving life and motion to the whole body. (P. 47)

نظرية الدولة عمل إبداعي، وما يقوم به المبدع أو الفنان (المنّظر) هو نحت لصنم على مثال الإنسان، غير أنه ينحته في عالم الأفكار المجردة وليس عالم المادة الملموس. بكلمات أخرى؛ الإنسان في الفكر الأوربي، منذ الفلسفة الإغريقية إلى يومنا هذا، هو المقياس لجميع الأشياء بما في ذلك الآلهة. وفي هذا السياق يتبنى فيلسوف القرن السابع عشر فكرة فيلسوف القرن الخامس قبل الميل (بروتاغوراس ). ولا يتبناها كما هي، بل يعيد صياغتها على النحو الآتي:
البشر لا يجعلـون من أنفسهم مقياسًا لبقية البشر فقط، بل لكل الأشياء الأخرى.
Men measure, not only other men, but all other things, by themselves.
ليفايثان/الدولة إله على صورة إنسان يتوحد فيه كل الشعب ليصبح الجسد السياسي Body Politic!

متى يظهر هذا الإله؟
يظهر هذا الإله عندما يقول كل فرد من أفراد المجتمع للآخر: "أنا أتنازل عن حقي في حكم نفسي لهذا الرجل، أو لهذه المجموعة من الرجال، على الشرط الآتي؛ أن تتنازل أنت عن حقك له، وتأذن له في جميع تصرفاته بنفس الطريقة".
I authorize and give up my right of governing myself to this man, or this assembly of men, on this condition; that thou give up thy right to him, and authorize all his actions in like manner.

هذا هو العقد الاجتماعي الذي يولد ليفايثان لحظة إبرامه، فالعقد الاجتماعي في الميثولوجيا الأوربية يوازي قوله تعالى "كن" في عالم الخلق الأول. وهذا ليس اجتهادا مني في فهم ما كتبه هوبس، بل هذا هو ما كتبه هوبس نفسه: "المواثيق والعهود التي صنعت وركبت وجمعت أجزاء هذا الجسد السياسي تشبه كلمة كن، أو لنصنع إنسانًا التي قالها الله لحظة الخلق"!

The pacts and covenants, by which the parts of this body politic were at first made, set together, and united, resemble that fiat, or the let us make man pronounced by God in the Creation.

في الأسطورة الأوربية؛ الدولة إله يظهر نتيجة للعقد الاجتماعي ويموت بالحرب الأهلية، فالدولة مجرد إله في عالم تعدد الآلهة الذي يجدد نفسه باستمرار، على اعتبار أن الإله واجب الوجود، بمعنى أن كل بحث نظري لا بد أن يمر بموضوع الألوهية أو ينتهي إلى بحثه. بكلمات أخرى؛ موضوع الإله لا خيار فيه، الخيار بين الإله الحق (الذي لا إله غيره) وإله الباطل (الهوى)!

الدولة صنم زينه الهوى، ولا يحطمه في عالم تعدد الآلهة إلا إله من هوى آخر: الثورة!

ثانيًا. ميثولوجيا الثورة.
ومن الدلائل القاطعة على صدق ما سلف بخصوص واجب الوجود، محاولة هانس كلسن وضع نظرية للقانون بعيدًا عن اعتبارات الدين والأخلاق، حيث لا أساس للقانون غير القانون (ولهذا سماها النظرية الخالصة للقانون). غير أن كلسن انتهى حيث لا يريد أن يصل، وهو مبحث "واجب الوجود" وكما سنرى الآن.

اخترع كلسن فكرة التدرج الهرمي للقانون؛ بحيث يكون الدستور هو أعلى القوانين، تليه القوانين العادية، ثم اللوائح أو القرارات الإدارية. الدستور يصدر عن هيئة تمثل مجمل الشعب. والقانون تصدره السلطة التشريعية، واللائحة أو القرار يصدر عن السلطة التنفيذية. نفاذ كل إجراء من الإجراءات أو قانون من القوانين يعتمد على احترامه والتزامه بالقانون الذي يعلوه. فالقرار الإداري يكون نافذًا بقدر التزامه وانسجامه مع القانون الذي يعلوه وهو القانون الإداري. والقانون الإداري أو أي قانون آخر يكون نافذا ملزمًا بقدر توافقه مع الدستور.

وعند هذا المستوى يثور التساؤل عن مصدر إلزامية الدستور على اعتبار أن النظرية الخالصة للقانون لا ترى ما هو أعلى من الدستور، فمن أين يستمد الدستور قوة إلزامه إذا لم يعلُه مصدر آخر يجعله ملزمًا؟

لإنقاذ النظرية يقول كلسن إن هناك "قاعدة مفترضة" تعلو الدستور، ومنها يستمد قوته الملزمة وأسباب نفاذه في حق واضعيه، وفي البلد التي وضع فيها. ومفهوم القاعدة المفترضة يصب في مبحث واجب الوجود، وهو الله الذي يعلو كل شيء. غير أن كلسن رفض إدخال الألوهية في نظريته للقانون لأنها لن تكون خالصة عند ذلك! وتشبث كلسن بأن "القاعدة المفترضة" مجرد فرض لشرح نظرية تدرج القانون، إلا أن النقاد تشبثوا بأن الله والقاعدة المفترضة شيء واحد لحيازتهما مركز العلو.

وفي هذا السياق يُفهم القول بأن الثورة تغيير للقاعدة المفترضة أي تغيير الإله، على اعتبار أن الإله ومقتضى القاعدة المفترضة شيء واحد (العلو فوق الدستور). ولما كانت الدولة إلها في الميثولوجيا الأوربية فمقتضى الثورة هو إزاحة الإله القائم لنصب إله جديد.
وسواء قلنا الدولة تموت بالحرب الأهلية في نظرية هوبس، أو عرفنا الثورة على أنها تغيير للقاعدة المفترضة عند كلسن فالمعنى واحد. بعبارة أخرى؛ موت الدولة بالحرب الأهلية، وتغيير القاعدة المفترضة بالثورة، صيرورة واحدة في الميثولوجيا الأوربيةــــ الثورة قتل لإله هوبس وهيجل، ونقض لعقد هوبس وروسو الاجتماعي.

تأليه الثورة لتأذن لأصحابها بما لا يأذن به الله أخذ مظهرًا صريحًا في خطاب أحد مفسدي جنوب المتوسط الذي تساءل: "من الذي يفكر في محاسبة الثورة... هل هناك من يستطيع محاسبة الله؟"! هذه كلمات معمر القذافي الذي لم يذهب إلى فرنسا ليتعلم الثورة هناك بل غزت أفكار فرنسا رأسه الفارغ وهو في ليبيا. مبادئ الشرك والمشركين وصلت ليبيا قادمة من فرنسا عن طريق مصر والشام.

وعبادةً لهذا الصنم كوّن القذافي محاكم ثورية مهمتها تقديم قرابين بشرية من الليبيين لهذا الإله الذي ظل القذافي وحزبه عليه عاكفين، عكوف بني إسرائيل على عجل السامري طيلة أربعة عقود.

. 1 من ضباط المخابرات البريطانية (1888-1935) وقادة الثورة العربية الكبرى (1916) اثناء الحرب العالمية الأولى.
T. E. Lawrence, seven pillars of wisdom, the complete 1922 Oxford text, London, 2004. P. 18
2- بروتاغوراس من فلاسفة القرن الخامس قبل الميلاد (481-411 ق م).
3- ما يميز الإسلام عن غيره قيامه على حسم موضوع الالوهية قبل كل شيء: دخول الإسلام يبدأ بشهادة أن لا إله إلا الله.
4- الثورة عودة إلى ما قبل الدولة حيث الهرج والمرج، أو ما يسميه هوبس "حالة الطبيعة"!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»