نتحدث عادة عن طبيعة الليبيين المنغلقة، وارتباطهم بالمكان بشكل عميق يتجاوز الانتماء العاطفي للأوطان ومهاد الصبا، وقد نجد إجابة عن تلك المفارقة الجديرة بالانتباه لذلك التناقض بين سعة الجغرافيا الليبية وقلة عدد السكان، وبين امتداد المكان وضيق الأفق، وبين كثافة السفر وقلة الانفتاح، دون أن نقع في حتمية جغرافية.
ففي ليبيا، تُشكّل الجغرافيا الشاسعة مقابل الديموغرافيا المحدودة معادلة ثقافية وأنثروبولوجية عميقة الأثر، فامتداد الأراضي الصحراوية الشاسعة، والتجمعات السكانية الصغيرة والمتباعدة، خلقا نوعاً خاصاً من العلاقات الاجتماعية، ووعياً فريداً بالهوية الذاتية والجماعية، وأسهما في صياغة ثقافة تتراوح بين روح الترحال والعزلة المحافظة.
لنوضح أننا نقصد بالانغلاق: حالة ذهنية أو موقف ثقافي يتسم بالرفض أو الحذر من الآخر، ويقوم على موقف واعٍ يفضّل الحفاظ على الذات والهوية عبر تقليل الاحتكاك الخارجي. أما العزلة فهي وضع موضوعي قد يكون مفروضًا بسبب عوامل جغرافية، اجتماعية أو سياسية، وليست بالضرورة ناتجة عن اختيار ثقافي واعٍ.
تتجسد العلاقة بالآخر في السياق الليبي وفقاً لمنطق المسافات الواسعة والتجمعات المحدودة، فهي ليست علاقة عشوائية، بل انتقائية محكومة بالضرورة والمصلحة. يظهر ذلك بوضوح في تشكيل التحالفات القبلية والجهوية، التي تقوم على التبادل المحدود، والتعاون الضروري في التجارة والزواج، والتعاضد في الأزمات.
هكذا، يُصبح التفاعل الاجتماعي أقل عدداً، لكنه أكثر عُمقاً وانتقائية، ويظل المجتمع الليبي حذراً تجاه الغريب، إذ تتحول المسافة الجغرافية إلى مسافة ثقافية وعاطفية أيضاً، مما يجعل الاندماج والانفتاح على الغرباء بطيئاً ومشروطاً بملاءمة المؤثرات الخارجية للبنية الثقافية القائمة أصلاً.
على مستوى الهوية الذاتية، يخلق هذا التوزيع الجغرافي-الديموغرافي شخصية ليبية ذات استقلالية واضحة، وهوية أصيلة متجذرة، لكنها أيضاً محافظة ومنغلقة في جوهرها، فالشعور بالذات في ليبيا مبني بدرجة كبيرة على العلاقة مع الطبيعة والتاريخ الشفوي، وترتبط الهوية بالقبيلة أو العشيرة، والامتداد المكاني والتاريخي الذي تعكسه الأرض والتضاريس الصحراوية، والذاكرة الجماعية المتوارثة عبر الأجيال.
هذا النمط من الوعي بالذات يؤدي إلى تشكّل هوية قوية ومتماسكة، لكنها قد تبدو أكثر حذراً تجاه الانتماءات الأوسع (كالهوية الوطنية الجامعة)، التي تبدو أقل حضوراً وأقل قوة في تشكيل الوعي الذاتي للفرد.
وفي السياق الثقافي، تقود هذه المعادلة الديموغرافية والجغرافية إلى اتجاهين بارزين: إما نحو ثقافة الترحال، التي تتمثل بوضوح في المجتمعات البدوية، حيث الآخر يمثل ضيفاً أو عابر سبيل، ويُعامَل بترحابٍ مشروط لكنه مؤقت، أو نحو ثقافة العزلة والانغلاق، كما في القرى الجبلية أو الواحات الصحراوية، التي يصبح فيها الآخر دخيلاً أو تهديداً، ويظل التواصل معه حذراً وغير مُرحب به بسهولة.
من ناحية أخرى، يخلق التوزيع الجغرافي الممتد وتشتت السكان حالة من الصراع الداخلي بين الانتماء والحرية، فقلة السكان وامتداد المكان يولدان شعوراً متناقضاً بين ارتباط قوي بالجماعة وضغط اجتماعي شديد يفرض الحفاظ على التقاليد والثقافة المشتركة، وفي الوقت نفسه يمنح هذا الاتساع الجغرافي إحساساً قوياً بالحرية والفردانية، مما يولّد توتراً مستمراً بين التماسك الجماعي والرغبة في التحرر من القيود الاجتماعية التقليدية.
بالتالي، فإن ليبيا في ضوء هذا التحليل الأنثروبولوجي تقدّم نموذجاً واضحاً للتأثير العميق للجغرافيا والديموغرافيا على الهوية والثقافة الاجتماعية. إنها هوية أصيلة محافظة، وعلاقة بالآخر تقوم على الانتقاء والحذر، وتوتر دائم بين روح الترحال والانغلاق، وبين الانتماء الجماعي والرغبة الفردية في الحرية والاستقلالية. هذه الخصوصية هي ما تجعل النموذج الليبي معقداً ومتفرداً على المستوى الأنثروبولوجي والاجتماعي.
الانغلاق في الشخصية الليبية لا يمكن تفسيره بوصفه مجرد سياسة رسمية فرضتها مرحلة القذافي، بل هو نتيجة مركبة ومعقدة تتداخل فيها المعطيات الجغرافية-الديموغرافية مع الإرث التاريخي والسياسي الطويل، مما عزز من عمق العلاقة المحلية والقبلية، وزاد من شعور الحذر تجاه التأثيرات الخارجية. وهذا الانغلاق الجغرافي انعكس بالضرورة في انغلاق ثقافي واجتماعي متدرج، إذ أصبحت الهوية الذاتية منغلقة ومحافظة، وتبلورت النزعة الفردية والجماعية ضمن إطار ضيق من الثقة الداخلية الحذرة.
من ناحية أخرى، أدى نظام القذافي دوراً جوهرياً في تعميق هذا الانغلاق واستغلاله سياسياً، حيث بنى نظامه على فكرة العزلة، والتوجس من الخارج، والاعتماد على الذات، وحرص على تصوير الآخر (خاصة الغرب) كتهديد مستمر، مما عزز من نزعة الريبة وعدم الثقة في العلاقات الدولية والثقافية. ونتيجة هذه السياسة، تفاقم الانغلاق الاجتماعي والثقافي، وتحول إلى استراتيجية بقاء وهُوية قومية، وظل المجتمع الليبي محكوماً بتوازن دقيق بين الحفاظ على التقاليد وبين الريبة من الانفتاح غير المضبوط أو غير المحسوب.
مع ذلك، فإن ظاهرة السفر المكثّف لليبيين إلى الخارج، التي تُسجّل نسباً مرتفعة مقارنة بالدول المجاورة، تُشكل مفارقة جديرة بالتفسير، فالسفر في الحالة الليبية لا يعني بالضرورة انفتاحاً ثقافياً حقيقياً، بل هو فعل انتقائي اضطراري، مرتبط بشكل مباشر بقلة الفرص في الداخل، سواء في مجالات الصحة أو التعليم أو التجارة، أو حتى الترفيه. السفر هنا يصبح ضرورة عملية أكثر من كونه خياراً ثقافياً منفتحاً، يختبر الليبيون من خلاله الآخر بحذرٍ واضح، ويبقى التفاعل مع المجتمعات الخارجية محدوداً بشكل كبير في إطار المصالح والضرورات.
بالتالي، فإن الانغلاق الليبي هو في الحقيقة انغلاق مركّب، فهو نتاج لظروف جغرافية وديموغرافية، عُمّق بسياسات نظام القذافي الانعزالية، وفي الوقت نفسه يتجاور مع ظاهرة السفر المكثف للخارج، مما يؤكد أن السفر لا يعني بالضرورة الانفتاح، وأن التواصل الخارجي لدى الليبيين هو فعل انتقائي ومحسوب، مما يجعل الانغلاق سمة ثقافية متجذرة وليس مجرد حالة عابرة أو نتاجاً لظرف سياسي مؤقت. مع حذرنا التام من الحتمية الجغرافية أو التعميم، فهذا الطرح يحتاج أن يتجاوز الانطباعية لدراسات أكثر عمقا، لكن يطرح إشكالية للتفكير، لا تقييما جاهزا ومصادرة مفروغ منها.
لكن، ما أثر ذلك على الثقافة الإبداعية والآداب في ليبيا؟ ذلك شأن يستحق الخوض فيه!!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات