سؤالٌ بسيط في ظاهره، لكنه يأخذنا إلى أعماق مشهد معقّد، ملتبس، ومليء بالتناقضات.
ففي الوقت الذي صرّح فيه رئيس حكومة الوحدة الوطنية بأن العملية الأخيرة في طرابلس جاءت لفرض «هيبة الدولة» والقضاء على «المليشيات»، نجد أنفسنا أمام واقع مغاير تمامًا لما يُروَّج له رسميًا.
فالمجموعة التي جرى استهدافها ـ وعلى رأسها جهاز دعم الاستقرار ـ ليست كيانًا موازيًا أو تنظيمًا خارجًا عن القانون كما يُشاع، بل جهاز أنشئ بقرار رسمي صادر عن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في 18 يناير 2021، بموجب القرار رقم (38) لسنة 2021.
وقد تم تكليف العميد عبد الغني بلقاسم الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، برئاسته، ليضطلع بمهام مكافحة الجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية، والمخدرات، والإرهاب، وغيرها من الجرائم التي تهدد الأمن العام.
ومنذ تأسيسه، ظل الجهاز يتبع تنظيميًا للمجلس الرئاسي، ولم يصدر أي قرار رسمي بحله أو إعادة هيكلته حتى لحظة الهجوم.
بل إن رئيسه اغتيل داخل اجتماع يُفترض أنه رسمي، في مشهد يفتح الباب لتساؤلات كبرى عن مشروعية ما جرى، وحقيقة من الذي يُمارس العنف خارج مظلة القانون.
المفارقة أن المقار التي جرى اقتحامها تتبع رسميًا للدولة، وأفراد الجهاز الذين استُهدفوا خلال الهجوم هم موظفون عموميون مكلَّفون بمهام أمنية، يمارسون عملهم وفقًا لما خُوّل لهم بقرارات سيادية نافذة.
ما يعني أن ما حصل ـ من قتل واعتقال واستيلاء على المقار ـ هو فعلٌ يتقاطع مع الجريمة المنظمة، لا مع فرض هيبة القانون.
الأخطر من ذلك أن الجهات المهاجمة، والتي يُفترض أنها تنتمي إلى مؤسسات أمنية نظامية، قامت بالاستيلاء على ممتلكات الدولة من معدات وآليات، وأعلنت عنها بفخر على أنها «غنائم»! فهل يمكن لموظف عمومي أو عنصر أمني تابع للدولة أن يعتبر معدات الدولة غنيمة؟
وهل تُفرض هيبة الدولة بالاستيلاء على ممتلكاتها واغتيال من يشتغلون ضمن أجهزتها؟
كل هذا يقودنا إلى نتيجة واضحة: ما حدث ليس سوى صراع نفوذ على مفاصل الدولة ومقدّراتها، وليس حربًا لتقويمها أو إنقاذها من الفوضى.
هو صراع بين أجنحة داخل منظومة الحكم نفسها، تتغطّى بعباءة «الدولة»، بينما تُمارس منطق الغلبة والغنيمة والانتقام، خارج أي مسار قانوني أو دستوري واضح.
لكن وسط كل هذا العبث، هناك من يدفع الثمن، هناك من يُنسى دائمًا في البيانات والقرارات، والصفقات والولاءات.
إنه المواطن، الذي يقضي ليله تحت تساقط القذائف وأصوات الانفجارات، ويعيش فجره على رائحة الرماد والخوف.
وهو الوطن، الذي يُنهب ويُستباح بأشكال متعددة، كان آخرها تحت لافتة «هيبة الدولة» المزعومة.
تنزع الحياة من الأحياء، وتُستباح الكرامة، ويُغتصب الوطن، بينما يدّعي الجميع أنهم حُماته.
من أراد فرض هيبة الدولة، عليه أن يبدأ باحترام قوانينها، وتصحيح أوضاع أجهزتها عبر الأطر القانونية والمؤسسية، لا بالاغتيالات والاجتياحات والوصم الإعلامي الممنهج.
فالدولة تُبنى بالحوار والعدالة وسيادة القانون، لا بالرصاص والتشهير واغتصاب المؤسسات.
وإلا، فإن السؤال سيظل مطروحًا بمرارة: من يحارب من؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات