في مدينة طرابلس القديمة لا يوجد إلا ولي واحد هو سيدي الهدار، كان ضريحه يقع تحت سور المدينة الذي يطل على برج بوليلى والعين الزرقاء، كأنه يحرس المدينة من غزاة البحر. أزيل ضريحه في عهد القذافي في بداية السبعينيات لتوسيع الطريق الذي يهبط من المنحدر المحاذي لخزان المياه.
داخل السور الثاني لا نجد إلا ضريح سيدي منيدر، وسيدي الشعاب وضريح ولية واحدة هي الشيخة راضية، التي أطلق الحي على اسمها المتفرع من شارع الجمهورية، وضريح سيدي خليفة المجاور لحيها، وخارج السور الثاني تبدأ أضرحة الأولياء في الظهور مثل فطر في غابة، بينما تكاد تكون بنغازي مدينة الأولياء بامتياز، فإذا دخلتها من الغرب ستدخلها من سيدي حمد المقرون، وإذا دخلتها من البحر فستدخلها من سيدي خريبيش، ثم يصبح لكل حي ولي ابتداء من سيدي غازي الذي سميت باسمه المدينة، ثم سيدي حسين سيدي سالم سيدي داوود سيدي الشريف سيدي بالخير سيدي فرج وسيدي غريبيل وغيرهم.
كلما ابتعدنا عن مركز السلطة يزداد عدد الأولياء، ففي غريان يكاد يكون لكل قرية وليها الصالح وأحيانا أكثر من ولي. ولي كبير ثم أولياء صغار وكأننا نعيش في المدن السومرية والبابلية، حيث لكل مدينة إله صغير وإله كبير في كل الدولة.
هذه الظاهرة كانت موجودة في كل العالم الإسلامي منذ القرن السابع الهجري من شبه القارة الهندية إلى المحيط الأطلسي، وكلما توجهنا نحو الغرب يزداد عدد الأولياء، ونفس الشيء في جميع المناطق سواء كانت ساحلية أو جبلية أو صحراوية، ففي كتاب «الإشارات لبعض ما في طرابلس الغرب من مزارات» لعبد السلام بن عثمان الطرابلسي، الذي فرغ من تأليفه عام 1682 يحصي 318 مزارا بين طرابلس ومصراتة، ونلاحظ أن المؤلف حفيد للولي عبد السلام الأسمر الفيتوري دفين مدينة زليتن، وبالتأكيد الكتاب الذي كتب في أواخر القرن السابع عشر لم يتسع لجميع المزارات في ليبيا، فإذا قدرنا عدد جميع المزارات في كل البلاد فسنجدها بالآلاف قياسا بتونس التي يقدر عدد المزارات فيها بعشرة آلاف مزار، وعلى خلاف طرابلس فإن الأولياء في مدينة تونس يظهرون في قلب المدينة وفي أطرافها، ابتداء من سيدي محرز بحي القصبة وسيدي الشاذلي في سيدي بوسعيد.
كما تتميز تونس على خلاف ليبيا بكثرة عدد الوليات الصالحات، مثل الللا عربية في الباب الجديد بالعاصمة، وعائشة المنوبية التي سميت عليها ولاية منوبة وللا القلعة بين قفصة وقابس وأولاد عزيزة في القصرين وأم الزين الجمالية في المنستير. ندرة الوليات الصالحات في ليبيا وكثرتها في تونس يعكس التفاوت بين البلدين فيما يخص مكانة المرأة، فقد تخصصت الوليات الصالحات في تونس وفقا للمخيال الشعبي، بعلاج الأمراض المستعصية وهو ما عرفت به الشيخة راضية في طرابلس، وخاصة علاج العقم وتزويج العوانس وسلب الفحولة من الرجال الذين يعصون تعليماتها، ولهذا امتلكت هذه الوليات سطوة على الرجال، حتى إنهم كانوا يرتعدون وهم يزورون مقاماتهن وهن ميتات.
باستثناء الكتاب المذكور أعلاه لم يترك لنا الأسلاف إلا روايات شفوية، والرواية الشفوية عادة ما تحرف أو يبالغ فيها من جيل إلى جيل، فيكتسب هؤلاء الأولياء والوليات قوى أسطورية مبالغًا فيها، ونظرا لتجذر الظاهرة في مجتمعاتنا اهتم الإيطاليون بهذه الظاهرة منذ وصولهم إلى ليبيا، ففي ثلاثينات القرن الماضي ترجم المستعرب الإيطالي أنطونيو تشيزارو الكتاب السابق ذكره، فأي استعمار يهتم بطريقة تفكير ومعتقدات الشعوب المستعمرة ليعرف كيف يسيطر عليها، فما لا تستطيعه الأساطيل والمدافع يستطيعه المستشرقون والأنثربولوجيون بكلفة أقل وبفعالية أكبر، وهذا ما كلف الطليان في ليبيا مقارنة بالبريطانيين والفرنسيين بسبب تخلفهم في الاستشراق والأنثربولوجيا عندما وصلوا إلى ليبيا، أما الشعوب المستعمرة فلا تزال متخلفة في هذه الدراسات، فحتى الآن لا نزال نعتمد على كتاب سكان ليبيا للإيطالي هنريكو أغسطيني الذي ترجمه خليفة التليسي، وهو الكتاب الذي رفضه وقبله في نفس الوقت معظم الليبيين.
رفضوه إذا تعلق الأمر بقبيلتهم، وقبلوه إذا تعلق الأمر بقبائل أخرى، وما من جهد بذل في هذا الصدد إلا ما قام به العلامة رئيس العرفاء خليفة احنيش فيما يخص موسوعة «خوت الجد»، أما جامعاتنا العتيدة فلديها ما هو أهم لتدرسه.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات