Atwasat

ذات صباح تونسي

جمعة بوكليب الأربعاء 07 مايو 2025, 01:17 مساء
جمعة بوكليب

صباحٌ تونسيٌ رائقُ البالِ. مشمسٌ ودافئ. طيورُ سنونو ترفُّ بأجنحتها في صحو سمائه مبشّرة بحلول فصل صيف آخر. أناسٌ من الجنسين، من مختلف الأعمار والفئات، يمرون بي، بخطوات سريعة، غير ملتفتين، في طريقهم إلى أعمالهم وإلى مدارسهم. وأنا جالسٌ على كرسي، في مقهى لا يبعد سوى أمتار قليلة عن النُزل، محل إقامتي الموقت، قبالة مبنى فندق أفريقيا، في شارع الحبيب بورقيبة (النسخة التونسية من شارع الشانزليزيه الفرنسي) أراقب، عن كثب، تونس العاصمة تنفض عن نفسها غبار النوم، وتغادر بيوتها في مختلف الأحياء، وتدخل في تفاصيل نهار جديد، ربما لا يختلف عن سابقه إلا في ارتفاع أو انخفاض درجة حرارة الطقس المناخي لا غير. يوم آخر في روتين حياتي تونسي، يولّده الاستقرار، والشعور بالأمن وبالأمان.

كالطير، استيقظت من نومي مبكراً. على شاشة جهاز حاسوبي الشخصي، تابعت آخر أخبار الاغتيالات في طرابلس المستهدفة كبار الضباط، وحافظت قدر الإمكان على هدوء ايقاع قلبي، وأنا أشاهد على الشاشة صحفيا ليبيا يعترف بعظمة لسانه بلقائه صحبة مسؤول عسكري ليبي (كبيييير) بضباط من جهاز الموساد الإسرائيلي، ويروي بعضاً مما جرى في ذلك اللقاء من مواضيع.

بعدها انتقلت إلى متابعة الأخبار حول ما يجري وراء كواليس معتمة من لقاءات بين مسؤولين أميركيين وليبيين بغرض توطين مجرمين محترفين من بلدان أميركا اللاتينية في ليبيا، حتى أصاب عقلي دوار، وكدتُ أتقيأ. فسارعت بارتداء ملابسي وغادرت الغرفة والنُزل إلى الشارع، طلبا لجرعة من هواء نقي. اخترت الجلوس على كرسي، على رصيف نظيف، في مقهى نظيف، في صباح تونسي رائق البال بامتياز، ولم تطله شائبة بعد.

ما يميّز مذاق القهوة التونسية، في المقاهي التونسية، على اختلافها، وأينما كانت، أنها خالية من مذاق القهوة: ماءٌ ساخن أسودُ اللون، بلا طعم ولا رائحة، يحتسيه المرءُ من فنجان، على مضض، فقط بهدف تخفيف مرارة تبغ السجائر في فمه إن كان مدخناً. أرصد تحركات النادل من حولي. كان قصير القامة بشكل ملحوظ ونشطاً. رأيته يرمقني بنظرة من طرف عينه، وكأنه يخمّن من أي بقعة أتيت، ومن أي ثغرة يمكنه اقتحام خلوتي، بعد أن تعمّدت تجاهل ما أبدى من محاولات لجرّي للدخول معه في (جغ مغ).

لم أزر منطقة الكرم من قبل، ولا علم لي بموقعها في أي جهة تكون من تونس. مقصدي كان زيارة معرض الكتاب، الذي افتتح قبل وصولي تونس بأيام قليلة. كنت على موعد مع صديقي الكاتب محمد المصراتي لنزور معاً المعرض. ساعة هاتفي المحمول تقول إنه ما زال قرابة ساعة على موعدنا. طلبت فنجان قهوة آخر، بإشارة من يدي للنادل، وعدت أرصد المشهد التونسي أمامي، ومن حولي.
لاحظت أن التونسيين الذكور، على عكس نظرائهم في ليبيا، لا يرتدون زيّهم الوطني. لم يمر بي رجل واحد مرتديًا الزيَّ التونسي، حتى كبار السن. كلهم يرتدون أزياء أوروبية: لماذا؟ لو كانت جلستي تلك في إحدى المدن الليبية لمر بي العشرات من الذكور يرتدون الزيّ التقليدي الليبي!

هل التونسيون الذكور لم يعودوا يكترثون بارتداء أزيائهم التقليدية التونسية، أم أن في الأمر شيئاً آخر؟ وعلى سبيل المثال، كونهم مثلا في طريقهم إلى أعمالهم ومدارسهم ذلك الصباح وليسوا في يوم عطلة؟ وما علاقة ذلك المسلك بالإحساس بالهوّية التونسية؟

الرجل الليبي قد يتشابه مع شقيقه التونسي في مناحٍ كثيرة، لكنهما مثلاً في مسألة الموقف من ارتداء الزي التقليدي يختلفان كثيراً. فالرجل الليبي ما زال، في رأيي الشخصي، على علاقة وطيدة بزيّه، سواء في أيام العُطلات أو في أيام الأسبوع. وفي السنوات الأخيرة، صار الليبيون من الجنسين يحتفلون بالزيّ الليبي بأن جعلوا له يوما خاصاً به. زد على ذلك أن الزيّ التقليدي الرجالي التونسي جميل ومميّز، خاصة لدى ارتدائه في فصل الصيف. فلماذا يتفادى الرجال التونسيون ارتداءه، حتى في أيام العطلات؟

صديقي الكاتب محمد النعاس، حين التقيته مساء ذلك اليوم، وطرحت أمامه ملاحظاتي، أوضح لي أن الرجل التونسي يحرص على ارتداء الزيّ التقليدي في ليلة زفافه فقط. وهذا يعني ضمنياً احتمال ألا يرتديه ثانية مطلقاً.

أترك الباب مفتوحاً أمام كل من يود الإفادة في هذا الشأن.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»