1- موسم الهجرة
(...أنا جنوب يحن إلى الشمال)، قال «مصطفى سعيد» شخصية الرواية العربية الأشهر «موسم الهجرة إلى الشمال» للروائي السوداني الطيب صالح.
الطيب صالح، حين كتب (موسم الهجرة إلى الشمال)، كتب رواية واقعية حداثوية، لغتها شعرية مكثفة، شخصيتها الرئيسة فرويدية، تعاني من عقدة أوديب، فبدأت «جين مورس»، امرأته التي قتلها، كما قتل الأب الاستعمار، هكذا تمت قراءة الرواية من بعض النقاد.
ولم أنتبه حينها إلى أن رواية الطيب صالح، سفر العنف، كُتبت أثناء الهجرة الأولى، هجرة الجنوبيين إلى الشمال، ما بعد الاستعمار، ما حدث عقب، الحرب الأوربية الكبرى الثانية. ذلك الحدث نتاج، مشروع مارشال الأميركي في أوروبا، عندما نهضت دول الاستعمار، من كبوتها الكبرى الثانية (التنافس الإمبريالي)، حيث اجتاحتها، حاجة مُلحة للعمالة، مع خمسينيات وستينيات القرن العشرين، فبدأ «موسم الهجرة إلى الشمال».
الرواية حافلة بالعنف، فالشخصية محاطة بضغط الحنين، إلى الشمال الذي هو الحداثة، ما تطحن وجود «مصطفى سعيد»، الممزق بين، أنه أداة للحداثة، الممثلة بالغرب، وأنه الجنوب، الذي عبارة عن مزود، لهذا الغرب بالطاقة: البشرية، المواد الأولية، وما في حكم ذلك... لذا «مصطفى سعيد» مسلوب الروح، فالهجرة ليست خيارا، فهي نتاج الاستعمار ما بات كـ(جرثومة فتاكة). وحتى عندما عاد إلى السودان لم يجد ذاته، لقد بات كمعضلة، نهايتها المحتومة، بالغرق في النهر، ما لم يعد أداة للنماء، فالحداثة كما سلبت «مصطفى سعيد» روحه، سلبت النهر فعليته، ما غدت قديمة، ومتهالكة مع التطور الصناعي والتقني، ومع هذا التطور ستنضب الحياة، وتجف عروقها.
«موسم الهجرة إلى الشمال»، رواية مواسم الهجرة المضطردة، حين كُتبت الرواية، كانت الهجرة المرغوبة من الغرب، على أشدها، وفي أثناء هذا قام الغرب وتوابعه، باستنزاف الطبيعة وتهديد الأرض، مما نتج عنه أن قارة أفريقيا، دفعت الثمن النفيس.
ومن هذا فالرواية رؤيوية، وتصورية لمستقبل محتوم، فالقارة التي جعلها الاستعمار في مرحلته الأولى، مزرعة للعبيد، في مرحلة ما بعد الاستعمار، أضحت الضحية الأبرز، لاستنزاف الطبيعة وتدمير الأرض، خاصة أنها عاشت هذه الحقبة، في حروب بالوكالة مضطردة. فالضعف البنيوي للقارة، وهشاشة تضاريسها وموقعها الجغرافي، جعل من خط الاستواء كما لعنة، فالقارة زاخرة بالثروات، وهي حديقة الأرض للحيوانات والنباتات، وفي العصر الحديث، كانت مخزن المواد الأولية، للدول الاستعمارية/ الكومنولث والفرانكفونية، وحتى اليوم الاستنزاف الأكبر للقارة السمراء، قارة اليورانيوم والماس، يتم من قبل الدول الصناعية الكبرى.
إضافة إلى ذلك تجارة العبيد، عادت من جديد، في صيغة عصرية، وفي هذا الحال يُشاع، أن الأفريقيين يبخسون الحياة، وأنهم كما باع الفلسطينيون أرضهم، يبيعون أرواحهم، وأنهم مخلوقات أدنى، تلهو بالحروب الأهلية، وقادتهم يهوون الانقلابات، وأن قوات الأفريكوم الأميركية، والقوات الفرنسية الخاصة، لحمايتهم من الإرهاب، أما قطعان المهاجرين غير الشرعيين، فإنها مسألة، ليست مهمة أحد.
هذه الرواية التخيلية، كأنما دراسة سيسولوجية ورصد شفاف، لـ(موسم) هجرة إلى الشمال، الناتج عن حالة الاستعمار، ما لم يخرج من مستعمراته البتة، بل أعاد توزيع تموضعه، ولهذا عند احتياجه إلى قوة بشرية، رجع إلى مستعمراته، بريطانيا إلى الهند واليمن وغيرهما، وفرنسا إلى دول المغرب العربي وأفريقيا، هكذا تناسلت مسألة الهجرة منذئذ، غير أن اليوم أضيفت لازمة اللاشرعية.
والطيب صالح كتب رواية تخيلية، رواية الشخصية المعطوبة، مصطفى سعيد شخصية حية لا نمطية، ولذلك هي شخصية كاشفة، للعلاقة المعطوبة بين الجنوب كمستعمرة، وللشمال كمُستعمِر، فمصطفى سعيد شخصية لا شخصية لها، سواء كانت في الشمال أو الجنوب، بل إنها شخصية تكون في الخفاء، وإن تجلت امَّحت، وهويته في الشمال، تتجلى في كهف بدائي، كما ملهى ليلي سري، فيه مصطفى سعيد الفحل.
سلالة مصطفى سعيد تتناسل، واليوم حملت كنية جديدة: المهاجر اللاشرعي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات