يوم ولدت افتتحت الجامعة الليبية في بنغازي، فكانت كلية الآداب أول كلية، ذلك في العام الخامس والخمسين من القرن العشريني، في مبنى قصر المنار قصر الملك الذي كان قصر الوالي الإيطالي. بذا كانت بنغازي جامعة ليبيا، وكان مبنى المجلس التشريعي مكتبة هذه الجامعة، حيث تلتقي بطلاب العلم من كل ليبيا، وبأساتذة من أقطاب الدنيا.
لم يكن المبنى ولا المكان كما هو الآن، في السبعينيات من القرن العشرين، هدمت طائرات الحلفاء الكثير من المباني، وأزال الليبيون غيرها، ومنها ما شيِّد في مكانه مبنى المجلس التشريعي لولاية برقة: palazzo del tribunale، هكذا كان اسم المبنى ذي الواجهة التي تتوسطها أقواس ثلاثة مزخرفة تشكل المدخل ما في مقدمته درج، على يسار المدخل أقواس ثلاثة أيضا ومثلها في اليمين لكنها أقواس أقصر وهي تشكل مقدمة «روف» المبنى حيث تطل ست نوافذ، في الأعلى تتبين قبة صغيرة وعلى الجانبين صومعتان صغيرتان، أمام هذا حديقة صغيرة وارفة، في الصورة هذا، في الذاكرة أن فيه جرت محاكمة عمر المختار.
في الناصية رجل يمشى تعباً يشاكس ظله، مشدود القامة يمشي، لكن هذه القامة تؤمى بأنها قابلة الترهل، الرأس حاسر يخفي علامات الطربوش والنظارة ظاهرة، هذا الرجل طافح بما فيه. تخيلته يقطع قلب الحديقة قطعة، قطعة، فيما سلف، من خلتني خلفه غير الصالح، الأطراف تطوحت، الرجل عن أختها، اليد تنازع شمالها يمينها، العيون زائغة، في فضاء الحديقة، قبعة الشجر المرصعة بالعصافير واليمام البرتقالي تشغلني عن أن أرقب الرجل المشتبك في جسده، والمتخبل في فكره يكتب في الذهن مسرحيته: عمر المختار، خيال يطل، كأن عبد الله القويري وهو عائد من المهجر المصري، حط هنا دون قصد أو روية ليسوح كخيال في مدينة مخياله، أو هي كانت راقدة تنتظر: بنغازي شوارع تعيش آثار الحرب. كل ركن مهدم، كل شارع فيه ما يدل على آثار القنابل والانفجارات، المباني نصفها قائم والنصف الآخر خراب، عمارات رمم بعضها وترك البعض الآخر.
وأخذني ما أشاهد إلى أن أستكنه النفوس، فهي حتما ما زالت تحمل بقايا الحرب وآثارها في جوانبها. إنها تبدو ظاهرة الحركة، نشطة، ولكن الشظايا في العيون، مثلما الحطام في الصدور، والعناء في القلوب. والصغار حملوا العبء من أجل لقمة الخبز.
بنغازي مدينة في وطني، وتظل قدماي تحملني وأدور في الشوارع عبر أزقة، وحذائي يرتطم بالحصاة، وكثيراً ما تندلف قدماي في حفرة، لأعود واقفاً أمام فندق النجمي. مطيلا الوقوف قدر ما أستطيع، فالريح باردة، وما عليَّ من لباس لا يكفي فصل الخريف. جئت لا أحمل شيئاً غير ما تحمله كتفاي، وكانت حلة من قماش قطني، تدلت جوانبها، وكان عليَّ أن أحتمل حتى أستطيع استبدالها. واحتملت والشتاء يقترب، إنه الشهر الأخير من عام 1957، تركت أحلامي منذ زمن بعيد، وما ينتابني قد أطبق على مدينة بنغازي كضيق يأخذ كل نفس، فما أكثر ما يردد الفرد منهم كلمة: «طايرة لي»، تسمعها منه وهو يلقيها في وجهك دون اعتبار، وربما لا تسمعها ولكنك تدركها على ملامحه، أو تتلقى نتائجها دون أن تدري، فهو كما عاصفة من شوك وغبار ... يطل وجه عبد الله القويري، من النص، على المدينة برما وقد تلحفه البرد، وفي عينيه أرى الميناء على شمالي، فاصلا بيني وبينه شارع أحمد رفيق المهدوي، جبانة السفن الميناء ومحيطها، والمدينة ملاعب أوروبية ترتع فيها قنابل ومتفجرات، تركة الحرب الثانية، ما سوف تكون بضاعة سوق التركة، الذي في مطلع السبعينيات من القرن العشرين أكلته النيران.
أنشغل عن وقدات القويري بشغب رجال الشرطة، أمام مركز المدينة شمال الحديقة، وقد هممت بـ عمر المختار الشارع الذي أتغيا، هذا المركز ملتصق بالخاصرة اليمنى لسينما البرنتشي/ سينما بنغازي، التي بنيت كما بني فندق برينتشي، قصر الجزيرة حاليا، عند زيارة الدوتشي موسوليني في مطلع العقد الثالث من القرن الغارب، سميت السينما على اسم بنغازي الإغريقي برنيكي، الذي ينطق بالإيطالية برينتشي وعرب ببرنيق، كذا يذكر مؤرخ المدينة محمد بازامه.
أخال عبد الله القويري في المقهى، وقد فاتني أن أسفل المبنى قد كان مقهى بازامه، ما صاحبه صاحب كراكوز بازامه الأشهر في خمسينيات بنغازي، وهو غير بازامه المؤرخ وإن كان من عائلته، وأن عبد الله القويري: تدثر بالظلام وطاف وحده بالمدينة، فيما النوافذ تتلصص عليه وهو يحوم حول هذه البنايات الكئيبة كطائر فقد عشه. انفض المقهى وبدأ النادل يلملم كراسيه المبعثرة على الرصيف تمهيدا لقفله، ودون أن ينظر إليه:
- أستاذ.. تعاقب الليل، ارجوك لملم كتبك أريد أن أجمع هذه الكراسي، والمناضد داخل المقهى. تفرس فيه ... حتى هذا يريد أن يتخلص منه. انتفض على صوت سيارة تمرق وسط الشارع ... كان صوت موج البحر واضحاً في صمت الليل، ممزوجاً بصوت حفيف الأشجار، ما يسقط على الأسفلت مع وقع أقدامه. دخل الفندق وبالدور الثاني حيث حجرته الباردة، تمدد على سريره بكامل ملابسه ... عقد يديه خلف رأسه محدقا إلى فوق ... إلى عنقود الضوء المعلق بالسقف. تحسس وجهه وبقفا يده اليسرى مسح دمعة، دمعة حس أنها تسيل على خده من غير صوت ولكن بقهر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات