هو كأيِّ عيدٍ من أعيادٍ كثيرة مرّت بحياتنا واحتفلنا بها قدر استطاعاتنا القصوى على الابتهاج والسعادة والحبور والفوز بنفخ بالونات الأطفال المبتهجين بعيدهم والفرحة معهم برؤية آمالهم الملوّنة وهي تطير وترتفع إلى السماء!
في هذا العام الأكثر ضراوة، لم يستطع أطفال غزة إطلاق بالوناتهم في سماء فلسطين، لأن العدو المدجّج بالحقد سيقصف البالونات في سمائها، وسيقصف مصدر الفرحة على الأرض ويدميهم في المكان، لذلك فأطفال فلسطين نفضوا الغبار عن وجوه الدُمى ونفخوا بالوناتهم سراً خوفاً عليها وخشية فرقعتها بجوار العدو الرابض بأذنيه في كُل مكان.
كان المسلمون في العالم قد أكملوا صيامهم، ولم يُكمل الفلسطينيون في غزة موتهم. ذهب شهر الصيام عن عواصم العرب المضيئة بالحكايات والذكريات والأوهام، وبقيت أشهر الموت الطويلة في فلسطين تجرف غزة في الظلام الكبير لأمةٍ أغمضت عينيْها وتاهت عن سواء السبيل.
كانت الزهرة الباكية الحزينة عند النبع القديم جنوبي غزة تبكي وحدتها وغربتها بعد أن غاب عنها الأطفال المندفعون إلى الموت بلا جدارٍ يحميهم في العراء، وقد سقط الجدار فوقهم وأسقف البنايات وأبراج الحديد والصحون والهوائيات!
لم ير الأطفال قاتلهم في ثورات الغُبار العنيفة، فقد كان القاتل يقصف من بعيد، من وراء متاريس صنعها الخوف، ويقصف من السماء مثل طائرٍ جبان!
كُلُّهم، أعداء الإنسانية، جثموا على «غزة» أمريكان وإسرائيليون، يقودهم الحقد الأعمى على شعبٍ أعزلَ استهدفوا أطفاله كما ألعابهم.. لا شيء في غزة ظَل يعني الحياة ودونها الشقاء، فلا ماء لهم ولا غذاء ولا دواء ولا كساء، سوى لون الدم والهشيم.. والعالم الذي عجز عن حماية الإنسان لم يستطع توفير الكفن الأبيض للشهداء، لأن الكفن الذي كان من لون السلام، أغرقته إسرائيل بالدم!
هذه هي «الهولوكوست» الحقيقية، وهي حرب الإبادة التي لم يشهد لها العالم مثيلاً على الملأ، وأمام كل الدول التي تراقب عن كثب مستويات الجريمة الكُبرى وعنفها وهمجيتها، ومن عصمتها التاريخية تستجدي القاتل أن يتوقّف قليلاً، ليشرب القتيل بعض الماء المعلّب، ويقتات من رغيف مساعدات الموت الدولية التي انقطع سبيلها تحت النيران.. فقد صار الحاكم في المكان هي «إسرائيل»، والمحكوم هو العالم الذليل.. وليس أذلَّ من العالم سوى العرب الذين بسطوا لإسرائيل قرار إبادة غزة.
لا أبواب موصدة في غزة تحمي الأطفال من الموت الكريه، حتى أبواب المشافي تناثرت أمام الحقد «الصهيوني» الأهوج على شعبٍ أراد الصيام والاحتفاء بالعيد مع بقية العرب المحتفين بدينهم ودنياهم، لكن شاءت الأقدار أن يرى أطفال غزة النعامات العربية من المحيط إلى الخليج وهي تغطس رؤوسها في الرمال، وتنام فلا تسمع صوتاً لرجال!
لا هدايا في عيد غزة ولا بالونات أفراح، لأنها مدينة بلا أطفال.. مدينة أغرقها "العم سام" بكُل أنواع الهدايا المتفجِّرة، حتى صار الأطفال فحماً وروحاً متّقدة في ظلام العرب السديم.
مرّ الشتاء عنيفاً على غزة، كما مرّت الطائرات في أزيزها الصاعق وهي تشير بأصابعها على الأطفال وبالوناتهم الملوّنة المخبّأة في الخيال، ليسقطوا في رُعب الموت طفلاً طفلاً على الأرض المحروقة.
فأين كان مكان العيد تحديداً؟.. هل كان هنا في البلاد العربية التي صمتت في ذُلّها الشنيع، أم هناك في البلاد التي صرخت تحت الركام من بعيد؟.. وهل كان العيد للأحياء تحت الأرض في فلسطين، أم للأموات فوق أرض العرب وهُم يمشون بين القمم في الجنازات؟!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات