Atwasat

رماد المهدوي «عن بازوليني والراب الليبي»

منصور بوشناف الخميس 27 مارس 2025, 07:53 مساء
منصور بوشناف

كنت منذ سنوات مضت قد حاولت الكتابة عن المخرج والشاعر الإيطالي «بيير بازوليني» وبالتحديد عن قصيدته «رماد غرامشي» وهي مرثية ليس «لغرامشي» بل لجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية الطليان من الشيوعيين واليسار عموما.
في تلك القصيدة يقول «بازوليني» أو «أوديب» الشيوعية الأوروبية، «باق لأنني لا أختار».

ربما تلك الحيرة وذلك التردد والتفريط كانت سر بقاء «بازوليني» واليسار الأوروبي الذي كان وقود الثورة ضد الفاشية والنازية وحرب التحرير التي خاضها الأنصار مع جيوش الحلفاء ضد هتلر وموسليني، فاليسار بقى في أوروبا أحزابا رسمية وأفلاما وروايات وأشعارا ومنظمات صغيرة متمردة تعبر عن سخطها و تنظر خلفها غاضبة لنتائج الحرب العالمية الثانية، فهي لم تنتصر حقا، بل انتصر حليفها العدو وسيطر على كل شيء ووجدت نفسها تائهة في الهوامش والأزقة المعزولة، ومن تلك الهوامش وتلك القرى والأحياء الفقيرة قدمت أفلامها وأشعارها ومسرحياتها ولوحاتها ونظرياتها عن ثورة الأرياف والعالم الثالث، كان «أوديب بازوليني» الفيلم المهم لبازوليني المخرج، يلقى خارج أسوار المملكة وأحضان الأم لينقذه الرعاة والفلاحون من الموت في مهده، ليصل إلى مملكة أبيه ملكا وقاتلا لأبيه وزوجا لأمه وأخا لأبنائه، وكل ذلك دون معرفته ووعيه بمكائد التاريخ والقدر، ليتوه عبر القرى والمدن والأرياف أعمى تقوده ابنته، مستسلما لقدره الذي خطته له الآلهة.

في ليبيا التي عانت «المعتقلات الفاشية والإبادة الجماعية والشنق في الميادين العامة والتهجير والمطاردة بالطيران عبر الصحراء الكبرى، وخاض أهلها حربا ضروسا ضد الغزاة الطليان، حافظت القصيدة الشعرية على روح المقاومة حتى بعد هزيمة المقاومة المسلحة، فظل الشعراء يعبرون عن رفضهم للطلينة والاحتلال وخاصة من المنفى ومن الهوامش والأرياف والبوادي، ويحافظون على هوية الوطن والمواطن، ويرسمون وطنا حرا مستقلا، كان الشعراء والمغنون الآباء المؤسسون لصورة الوطن المستقل الحديث.

أحمد رفيق المهدوي «شاعر الوطن» كما عرف بعد الاستقلال، كان من أبرز شعراء المقاومة والنضال من أجل الاستقلال، عانى المنع في الوطن تحت الاحتلال وعانى عذابات المنفى وقال شعره باللهجة والفصحى ليصل لكل أبناء شعبه، مصورا معاناتهم تحت الاحتلال وما تعرضوا له من تهجير وقتل ومعتقلات

«تبقى على خير وطني بالسلاما
ورانا نداما
وياعون من فيك كمل أياما».

ظلت هذه القصيدة «الأغنية»، التي قالها المهدوي وهو يغادر وطنه منفيا تتردد على السنة الليبيين في منافيهم، منذ الاحتلال الإيطالي وحتى منافي هذا اليوم، ظلت المعتقلات والجور والقمع واحدة والمنافي واحدة وإن تغير الجلادون «مستعمرون أو أبناء جلدتنا» وظل التمسك بالوطن يقوى عقدا إثر عقد وقرنا إثر آخر، ظل قول «المهدوي» مخاطبا الوطن من منفاه يتردد حتى الآن
«يا أيها الوطن المقدس عندنا
شوقا إليك، فكيف حالك بعدنا
أما هواك فلا مجال لذكره
فالحب ما منع الحديث الألسنا»
قبل المهدوي كان «سيدي قنانه» وقصيدته «تركناه حب الوطن غصبا عنا»، ثم القصيدة الليبية «الأغنية»
«طريق السلامة يا بلاد تهني
غير اعمري كانهو خرابك مني»

عشرات القصائد والأغاني أخذت في الوجدان الليبي مكانتها البارزة معبرة عن التعلق بهذا الوطن وخيبة الأمل والإحباط في مآلات نضال أولئك الشعراء والمغنين من أجل «بلاد تحبها وتزدريك «كما كان بيان» عمر الكدي الحديث.
الراب الليبي، يسود الآن كوريث وتكملة لعذابات المهدوي، يصرخ مطربوه من المنافي، لاعنين كل شيء رافضين لكل أشكال الخراب، مرددين وأن بمفردات أخرى «طريق السلامة يا بلاد تهني...
غير اعمري كأنه خرابك مني».

«الراب الليبي» ينبعث من رماد المهدوي في منفاه، حانقا وبذيئا كالمرحلة، متشظيا شظايا من الإحباط واليأس، ملقيا بقنابل الانتقام الفردي، اعمى كاوديب «بازوليني» الذي خسر كل شيء وانقلبت انتصاراته إلى عار له وأمجاد لحلفائه الأعداء، إنهم الصوت المحطم لكل الأيقونات الوطنية، السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية، هم أيضا أبطال العدمية والانتحار، في معارك الأوهام الفردية.
هل سيصيرون رمادا بعث من رماد ويعود إلى رماده الأول؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»