هواة ومحبو وعشاق مشاهدة الألعاب النارية، أينما كانوا، محظوظون هذه الأيام، وربما لسنوات أربع مقبلة، كونهم حظوا ويحظون، منذ السادس من شهر نوفمبر الماضي، بمشاهدة العديد من مهرجانات ألعاب نارية متتالية، من نوعية أميركية غير مسبوقة.
مكتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في واشنطن دي سي، هو مصدر إطلاق الألعاب النارية الجديدة. بعضها بألوان فاقعة. بعضها الآخر متعدد الألوان، وكلها تسقط، في وقت واحد على رؤوس قادة العواصم الأوروبية، وعلى غيرهم من قادة عواصم العالم وشعوبها.
العواصم الأوروبية رغم خبراتها السابقة، لا تعرف كيف تتعامل مع ما يصلها من صواريخ ألعاب نارية أميركية جديدة، متتالية متعددة الألوان، وفي الوقت ذاته، لا تستطيع الطلب من ساكن البيت الأبيض في واشنطن التوقف عن إطلاقها.
الساكن الجديد في البيت الأبيض، كما تبيَّن، لا يبالي ولا يلتفت إلى ما يصله، عبر وسائل الإعلام من تصريحات أوروبية إعلامية. ويصر على أن يكون اللاعب الوحيد في أضواء المشهد الدولي، وليس على الآخرين سوى إبداء الإعجاب، أو التزام الصمت.
مهرجانات الألعاب النارية الترامبية، نوعان واحدة للاستهلاك الداخلي الأميركي، وأخرى للعالم الخارجي. البداية كانت قوية ولافتة على المستويين. الرئيس ترامب ترك لأغني رجل في العالم «إيلون ماسك» مهمة إشغال الداخل الأميركي بمهرجانات ألعاب نارية مميزة. واستلم هو شخصياً ادارة المهرجانات الخارجية.
أول عروضه الفاقعة، أطلق عليه اسم استعادة قناة بنما، فأحدث زوبعة دولية. تلاه عرض آخر خصص لضم الجارة كندا، ثم عرج سريعاً على الجارة الأخرى المكسيك. العروض الثلاثة استحوذت على انتباه المشاهدين دولياً، ثم سرعان ما تلاها عرض مختلف، أطلق عليه اسم «الريفيرا الغزّاوية» بالدعوة إلى تهجير مليوني فلسطيني من سكان قطاع غزة المدمر إلى مصر والأردن. ولم يفق العالم من صدمة ذلك العرض المدهش، إلا ليفاجأ بعرض جديد، اسمه السلام الأوكراني!
صدمات تتالي العروض لم تترك فرصة للتفكير أمام قادة العالم عموماً، بل وحتى للحلفاء في أوروبا.
في مهرجان السلام الأوكراني لم تستطع أوروبا الصمت، حين أدركت أنها لن تكون مدعوة إلى مناضد التفاوض في العاصمة السعودية الرياض. حذف أسماء قادة عواصم أوربا من قائمة الحاضرين لأول مؤتمر عقد في الرياض مكلفة جداً. أوروبا، استناداً إلى تقارير إعلامية أميركية، أنفقت ما قيمته 140 مليار دولار أميركي على شكل مساعدات لأوكرانيا.
المسألة ببساطة، تتعلق بحقائق جديدة، تبرز يوماً بعد آخر، في واشنطن، وتفاجئ الحلفاء الأوروبيين ربما أكثر من الخصوم. الحقائق الجديدة تستند على حق أميركا التاريخي في أن تفعل ما تشاء وقتما تشاء، وعلى الحلفاء مباركة خطواتها، ومن يتأخر في تقديم الطاعة، عليه تحمل التبعات.
الطريق إلى السلام في أوكرانيا، لا يمر بكييف أو بلندن أو باريس أو بروكسل، أو ميونخ؛ بل يمر عبر جسر، شُيِّد على وجه السرعة، يربط البيت الأبيض في واشنطن بقصر الكرملين في موسكو.
ما ذكر أعلاه، يفضي إلى استنتاج مفاده أنه يتوجب على الرئيس الأوكراني البدء في إعداد حقائبه، والاستعداد للاختفاء من المسرح السياسي، لأنه غير مرغوب فيه أميركياً.
وعلى حكومة كييف، إن أرادت استمرار وصول المساعدات الأميركية، الموافقة على عرض تجاري يقضي بحصول واشنطن على ما قيمته 500 مليار دولار أميركي من مواردها الطبيعية. وإذا امتنع الرئيس زيلينسكي على الموافقة على العرض، فهناك من هو على استعداد لفعل ذلك. وقبلها، على الرئيس زيلينسكي إجراء انتخابات رئاسية، لكي يكتسب الشرعية مجدداً. الكيفية التي ستجرى بها الانتخابات الرئاسية في بلد في حالة حرب، ونصف سكانه مهجّرون أو مشرّدون أو نازحون، وأغلب مدنه لحقها الدمار، لم تتضح بعد.
وبين شقي رحى أميركي، ترامبي على وجه التحديد، يتموضع حالياً موقع الرئيس الأوكراني، في انتظار أن يسقط عليه من أوروبا حبل نجاة، وفي أسرع وقت.
مشكلة أوروبا، ليست في الامتثال للرغبات الأميركية، والموافقة على خطة إنهاء الحرب في أوكرانيا، كما صممها وقررها وينفذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل في مدى قدرتها مجتمعة على بلع جرعة مضاعفة من دواء شديد المرارة، اسمه روسيا فلاديمير بوتين، تبرز على حدودها منتصرة من الحرب الأوكرانية.
وفيما يتعلق بمصير ما احتلته روسيا من أراضٍ في أوكرانيا، وكذلك مصير الرئيس فلوديمير زيلينسكي، فإن غداً لناظره قريب.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات