لقد تكرر الحديث الذي يحمل تجريحًا للتغيير الذي حدث في فبراير، وذلك بسبب ما آلت إليه الأحوال من فوضى وأزمات معيشية وفقدان الأمن وانتشار الفساد وغير ذلك من الظواهر السلبية، وأظنه رد فعل طبيعيًا نظرًا للواقع المأزوم، خاصة إذا لاحظنا أن أولئك الذين يلعنون حدث التغيير تتمايز دوافعهم ومنطلقاتهم، ولا تثريب ولوم في هذه السطور لأصحاب الاصطفاف العاطفي من المحسوبين على النظام السابق «بتفريعاتهم» فربما دوافعهم مبررة بل طبيعية وربما براجماتية.
فمنهم من فقد مكانة اجتماعية أو مصلحة نفعية.. وكذلك لا لوم أيضًا لإنساننا البسيط الذي تربى واستقى تكوينه المعرفي من الإعلام الموجه وما يبثه من تقديم صورة وردية لرأس النظام وعن عظمة نظامنا السياسي من خلال مقارنة وهمية تم تسويقها يومًا ما تحت الكثير من الشعارات العاطفية الفضفاضة.. وربما منهم من كان طفلًا ولم يعايش ما مضى من أحداث، ولكن لا شك أن كثيرًا من أبناء وطننا لديهم قدر لا بأس به من التعليم والمعرفة وهم في ظني من يستحق التوجه إليه بالحوار الهادئ لعل ذلك يصب في المصلحة العامة.
وللدخول في صلب الموضوع أقول: بداية إن التغيير بكل ملابساته كان في تقديري ضرورة وأصبح اليوم واقعًا، ولن أخوض في أسبابه فهي كثيرة ومعظمها معلومة، خاصة أن ذلك التغيير كان مترافقًا مع حراك شمل معظم جغرافية إقليمنا الجغرافي الذي نعيش فيه وتتشابه أحواله مع واقعنا الذي عشناه طيلة أربعة عقود خلت.
ولذا فالبداية الصحيحة كان يجب أن تتمحور حول السؤال الذي يقول: ما هي مسؤولية كل منا عن المآلات والأوضاع التي نعيشها اليوم؟ بدل إلقاء اللوم والبكاء على اللبن المسكوب، الذي لن يجدي نفعًا، هل قمنا بما يجب علينا من جهد وتضحيات ومثابرة وعزيمة لتحقيق حلم الدولة المأمولة؟
لاحظت في السنين الأولى للتغيير أن الحراك المدني كان فاعلًا وكان ميدان الشهداء وميدان الجزائر وفي بنغازي ومدن أخرى يعج بالوقفات الاحتجاجية المطالبة ببناء دولة القانون والمؤسسات، وكان بعض شبابنا في غاية الحماس والإخلاص لبناء دولة مدنية حديثة، ولكن يبدو أننا لم نكن مستعدين لبذل المزيد من التضحيات، خاصة بعد أن لاقى أولئك الرهط الشجاع من تهديد وخطف وتغييب، فانزوى البعض بدافع الخوف الوجودي حتى صارت الوقفات والاحتجاجات بأعداد لا تزيد على أصابع اليد الواحدة، واتجه «بعض» النشطاء المدنيين إلى الانزواء وبعضهم اتجه وتواصل مع منظمات دولية وتعلقوا بقضايا هامشية وحققوا من وراء ذلك مكاسب شخصية، أما من يمكن أن نقول عنهم «النخبة» فقد لزموا الصمت وأصبحت كتاباتهم تتناول قضايا عمومية محايدة كسرد واجترار أحداث تاريخية تضمن لهم التواجد ولا تجلب لهم المساءلة والعقاب.
في الوقت الذي كان واجب «المثقف» ليس التغريد مع السرب أو المشي مع الأهواء الشائعة والتمسح بالفكر السائد وسلطة الأمر الواقع، وكان عليه أن يكون محذرًا من سيادة عقلية التغلب السائدة، ويفترض أن هاجسه الأول سلامة مجتمعه لا سلامته هو حتى لا يضلّ مجتمعه طريقه مجدّدًا.
كان يفترض أن التغيير فرصة تفتح الباب أمامنا لتجاوز أخطاء الماضي وبذل كل الجهد باتجاه بناء الدولة المدنية المأمولة من كل العقلاء، ولكن للأسف لم يحدث ذلك والمسار ذهب بنا إلى طريق آخر.. كان يفترض بنا البحث عن إجابات لأسئلة كثيرة مهمة.. ماذا نريد؟.. كنت أتمنى أن نتناول مواضيع ذات أولوية بدل أن تنجر أقلامنا إلى الأحداث اليومية العابرة والتنابز بالألقاب والجري وراء المصالح الشخصية في صراع عبثي كانت نتائجه مؤلمة.
كان الأوفق أن نتحدث عن شكل نظام الحكم الذي نأمله، ما أهمية الدستور؟ ما دور القبيلة؟ ما مدى مصداقية الشعارات الفضفاضة التي ترددت على أسماعنا طيلة عقود مضت؟ ما علاقة الدين بالدولة؟ وهل من واجب الدولة أن تكون وصية على ضمير الناس؟ ما هو الاقتصاد الناجح عوضًا عن الاقتصاد الريعي السائد؟ ما هو دور المرأة؟ وهل نحن مؤمنون حقًا بأنها نصف المجتمع ودورها ضرورة حياتية؟ ما مدى أهمية الفنون بمختلف مجالاتها من موسيقى وفنون تشكيلية... إلخ؟.
أسهل شيء على الإنسان أن يلقي بالمسؤولية على سواه لكي لا يشعر بالذنب والتقصير، فما بالك أن نختصر الأمر بلعنة شهر من شهور السنة؟!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات