كان التعذيب «الجسدي» ركنًا من أركان التربية لدى شعوب وأمم الحضارات القديمة، بل إن الأديان تبنت الكثير من أساليبه لتمارسها على المارقين من أتباعها، وكل ذلك لتربيتهم وإصلاح عيوبهم الأخلاقية ليكونوا صالحين كما يجب أن يكونوا وفقًا لشرائعها وقيمها الأخلاقية..
التعذيب، كان ربما الوسيلة الأفضل كما رآه بناة تلك الحضارات للتربية والتعليم والصقل وتكوين الإنسان المنضبط بتعاليم وقيم تلك الحضارات الدينية والأخلاقية.
كان ترويض الوحش بالتعذيب الجسدي لخلق الإنسان أحد أركان فلسفة التربية والتعليم، يبدأ التعذيب من الأسرة للأطفال، ثم يتولى المعبد والمدرسة تلك المهمة لتكوين المواطن «العبد» الراضخ والممارس لتلك القيم.
التعذيب الجسدي كعقاب للخارجين عن السلطة والأديان تطور مع تطور السلطة وتطور أدواتها، كل ذلك أنتج متخصصين ومخترعين وفنانين وبالطبع جلادين لممارسة ذلك الدور الدفاعي عن السلطة وسحق أعدائها، كان خيال الساديين قد أنتج أشكالًا وأدوات مرعبة للتعذيب، «كلاليب، خوازيق، مشانق، دواليب ومكابس لسحق الجسد البشري.. إلخ» من الأدوات والطرق لتحقيق أعلى درجات الألم والعذاب بأجساد وأرواح الضحايا.
في أوروبا مثلًا وفي عصور ظلامها المرعب ظهر «فن الإسكاتولوجي» وهو فن أنتجه خيال فنانين لتصوير «التعذيب» في الآخرة، حيث الماكينات الربانية شديدة التعقيد التي تتولى وبنظام «الأتمتة» تعذيب المارقين والكفرة، وماكينات هي روبوتات على أشكال حيوانات بشعة تمزق المذنب وأخرى تسلخه وأخرى تفرمه وأخرى تعيده كما كان لتبدأ معه من جديد.
الفن «مرآة الواقع» وكل ذلك الخيال والإبداع كان بالتأكيد ابن واقع وحياة تلك العصور.
«مسخ الكائنات، جحيم دانتي.. إلخ» من الإرث الإنساني الذي قدم صورًا للتعذيب الإلهي للكائن البشري المتمرد والكافر.
بالطبع كل ذلك الإلهي لم يكن في غالبه إلا تبريرًا لممارسات السلطات الدينية والاجتماعية والسياسية على مواطنيها وعبيدها.
في بلادنا وحضارتنا وتقاليدنا العريقة المتوارثة مررنا وشهدنا كل هذه الأساليب والطرق والمبررات، وكنا ضحاياها لقرون من القمع والتنكيل بنا كبشر عزل ضعفاء جربنا الفلقة والكلاليب والخوازيق والمشانق وخلع الأظافر والأسنان وحتى الاغتصاب والتحرش الجنسي، فلسنا إلا أمة من أمم الله جربنا ما جربت غيرنا من الأمم.
الغريب، في حالتنا الليبية، أن أداة التعذيب التي ظلت صامدة ولم تتغير، كانت الفلقة، وهي أداة حافظت على بقائها كإرث وطني للمؤسسة التعليمية الليبية، منذ الكتاب وحتى الجامعة، ثم انتقلت إلى المعتقلات والسجون الليبية، لتكون أداة للتربية السياسية والإصلاح، فالسجون الليبية تحولت لافتاتها إلى «مؤسسة إصلاح» والفلقة كانت من أدوات الإصلاح والتربية في نظامنا التعليمي والتربوي.
كان الخيال الليبي قد طور الفلقة، فبعد فلقة شيخ الكتاب التقليدية ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي «الفلقة الإسرائيلية» وهي عبارة عن تابوت يوضع فيه الضحية ويقفل عليه ولا يظهر من الضحية إلا القدمان، وذلك يوفر للجلاد عدم إزعاج رؤية آلام الضحية وحتى سماع صراخها، أثناء الجلد، تلك كانت نقلة عبقرية واختراعًا ليبيًا بديعًا، أهم إنجازاته «مراعاة شعور الجلاد» وترفقًا به.
بالطبع الليبيون تفننوا في تعذيب بعضهم البعض بأساليب أخرى وأدوات أخرى كثيرة غير الفلقة والجلد، فوضعوا ضحاياهم في ماء يغلي، وذوبوا جثامين ضحاياهم في الأحماض، ولعبوا برؤوس الضحايا ككرة، وعلقوا جثامين الموتى على بوابات المدن، وتعلقوا بجثث المشنوقين.
المشكلة الكبرى هي هذا الرأي العام اللامبالي بظواهر التعذيب، بل وتقبله كأمر عادي، بل ومبرر، فلا نرى احتجاجًا اجتماعيًا على ما جرى وما يجري من تعذيب للخصوم السياسيين، فلا أحزاب ولا قبائل ولا مدن، ببساطة لا رأي عام استنكر التعذيب وجرمه، وحتى ما نراه من بيانات شجب ليس إلا مناكفات سياسية من الأطراف السياسية ضد بعضها البعض، لا نرى موقفًا مبدئيًا من التعذيب بغض النظر عن الجلاد والضحية، ربما ما زلنا نرى الجلد والفلقة والتعذيب أدوات للتربية والإصلاح، حتى إن مات الضحية تحت التعذيب دون إصلاحه.
«لا للتعذيب تحت أي مبرر».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات