ثمة قواسم مُشتركة بين كاريزما القادة السياسيين ونجوم السينما العالميين، فلا يخلو متحف الشمع من وقفاتهم الشامخة ولمعان عيونهم، فلا جالس بينهم في الظِل، بل جميعهم واقفون تحت الضوء الساطع، نلتقيهم بأنفاسنا مندهشين بذكريات أمجادهم.. ونخالُ معهم يقيناً أن التاريخ قد أقفل بابه من بعدهم تماماً، فلم يدخل أحد سواهم إلى المتحف بشمعة!
في مصافحة عاجلة للأحداث التاريخية المعاصرة، تبدو بعض وجوه الساسة ممقوتة خلف أحداث صنعتها التناقضات في المشهد السياسي العام، لا بأفعال شخصيات، وكأنهم كانوا ألعاباً من دُمى خشبية تديرها خفايا الماسونية.. فلا «بوش الأب» ولا «بوش الابن» قد حظيا بكاريزما القادة الكِبار، وقد امتلكا في زمنهما قيادة الدولة الأكبر والأخطر في العالم، وفي عهدهما خاضت أميركا أكبر حربيْن في منطقة الشرق الأوسط وحدها، فربحا معاً عداء الشعوب، وخسرا معاً كاريزما لن ينالاها، وإن توسّطا متحف الشمع بين لوثر كينغ وكينيدي، أو حتى بين كلينتون وأوباما، حيث كان لقانون الحرب على الإرهاب، الذي أصدره «الابن» بعد أحداث 11 سبتمبر، السبب الرئيس وراء انتشار حركات التطرف والإرهاب في المنطقة والعالم.
ومثل العجوز الأب «بوش»، كان العجوز «بايدن» الذي انطفأت جاذبيته منذ أولى رعشاته وزلّات لسانه وسقطاته العقلية التي كادت تسقطه سياسياً لولا جاذبية نائبته «كامالا هاريس»، التي أنقذته من السقوط لتسقط هي أيضاً بعده بوعودها وجاذبيتها أمام هجمات الهالة المتوحّشة لـ«ترامب» شبيه «يلتسن» في رعونته، و«موسوليني» في عنجهيته!
يرى «فريديريك لوبون» أن الكاريزما تكمن في قوّة الإغراء والسُّلطة بمختلف صورها التي يمارسها فردٌ على جماعة معيّنة، وتشكِّل مصدراً أساسياً للمشروعية. ويُعتبَر «ماكس فيبر» أوّل من أعطى المصطلح صبغة سياسية عندما استخدمه للإشارة إلى القدرة التي يتمتّع بها شخص معيّن للتأثير في الآخرين إلى الحدّ الذي يجعله في مركز قوّة بالنسبة لهم، وبحيث يمنحه الواقعون تحت تأثيره حقوقاً تسلُّطية عليهم نتيجة قدرته التأثيرية.
نظرية فيبر في السلطة هي من أشهر ما ارتبط باسمه، وفيها بحث عن الأسباب التي تحمل الناس على الرضوخ إلى الأوامر الصادرة عن السُّلطة العُليا. ولقد قسّم «فيبر» السُّلطة إلى ثلاثة أنواع: السُّلطة التقليدية التي تستمد شرعيتها من الأعراف والعادات والتقاليد المستقرّة، والسُّلطة القانونية العقلانية التي ترتكز شرعيتها على إيمان المحكومين بقانونية مجموعة من القواعد والإجراءات، ويحق للذين يصلون إلى السُّلطة وفقاً لها أن يمارسوا سلطاتهم ويصدروا أحكامهم التي تكون ملزمة للجميع. أما السُّلطة الكريزماتية فهي التي تستمد شرعيتها من إيمان الآخرين بقدراتها.
ويبقى السؤال الأهم: هل تأثير «الكاريزما» يكون شاملاً ويصيب كل من يقع عليه؟. الإجابة: بالتأكيد لا، فـ«كاريزما» الشخص تؤثر في جماعة أو شعب أو حزب، ولا يعني أنها قد تصيب أعداءه أو كارهيه من الجماعات الأخرى، ومثال ذلك كاريزما «هتلر» المنقذة والساحرة بالنسبة إلى الألمان كانت شيطانية بالنسبة إلى الفرنسيين والإنجليز والروس، ولاحقاً الأميركيين. والأمر نفسه في كاريزما «تشي جيفارا»، فهي تصيب جيلاً معيّناً من الشباب والمراهقين في الرفض والتغيير، إلا أن هذه الكاريزما الجيفارية لا تعني شيئاً بالنسبة إلى الأهل أو الذين أنهوا تجاربهم السياسية أو محاولاتهم في التغيير.
الأمر نفسه ينطبق على فريق «البيتلز» مثلاً و«ألفيس بريسلي» قبلهم، فالموسيقى والأداء وكلمات الأغاني التي تبدو غريبة ومختلفة وقادمة من زمن مستقبلي كانت تطال الفتيات أولاً والشبان في سن المراهقة، وهي ذات تأثير كبير في هذه الفئة العُمرية. وقد يتحوّل هذا الإعجاب الكبير إلى هوس لدى كثير من الشباب، فتنقلب الكاريزما من سبب للقوّة والقدرة على التأثير إلى آفة على صاحبها، فـ«ألفيس بريسلي» حقّق نجومية أسطورية أدّت إلى إدمانه أنواعا من المخدّرات، ليحافظ على نشاطه وقدراته الجسدية كما كان حين بدأ رحلته، مما أدّى إلى موته، لكنه ترك خلفه عشرات آلاف الأشخاص حول العالم الذين يتقمّصون شخصيته في الملبس والحركة وتصفيفة الشعر.
أمّا قائد فرقة «البيتلز» جون لينون، الذي تعدّت شهرته شهرة جيفارا في فترات معيّنة، خصوصا بعد أغنيته «تخيل» imagine التي وصلت إلى كل بيت وتركت أثراً إيجابياً في الفضاء العام الإنساني، مما أدّى إلى تغيير الكثير من الأفكار كالمشاعر القومية الحادّة، فاغتاله أحد المهووسين بشخصيته. لكن كاريزما «بريسلي» و«لينون»، التي غيّرت أفكار أجيال بعينها في تلك الحقبة، لم تكن بالنسبة لأهل أولئك الشباب سوى أسباب لتخريب أفكار أولادهم في أسوأ الأحوال، أو موضة غير محبّبة في أفضل الأحوال.
«جويس نيومان»، رئيسة مجموعة «نيومان» في الولايات المتّحدة، تعمل مع مشاهير من أنحاء العالم لدفع الكاريزما الخاصة بهم إلى أقصاها أو المحافظة عليها، وترى أن الكاريزما ليست مجرّد قوّة تولد مع الشخص، بل هي عمل وسعي دائم وانضباط وتعلُّم وتدرُّب، لنحت وتشذيب الكاريزما «الفطرية»، وتوجيهها بما يفيد صاحبها ومن سيؤثر فيهم.
وتقول نيومان: «يمكن للجميع أن يكونوا (كاريزميين)، لأننا لا نولد ونكبر بينما نتقن استخدام الكاريزما الفطرية التي تولد معنا، مثل الحزم والتعاطف والذكاء الاجتماعي والشجاعة والشعور الدائم بأن هناك ما يجب أن يتغيّر». ولتبسيط الفكرة، توضح نيومان: «لنفترض أن (الكاريزما) التي تولد معنا هي بذرة نبتة، فإن التدريب المتواصل هو بمثابة رش الماء فوقها لتنمو، مع الاعتناء بها، بما يكفل بقاءها على قيد الحياة».
وتحدِّد نيومان صفات يجب أن تكون لدى الشخص لكي نعتبره أنه «كاريزماتي». مثلاً يجب على صاحب «الكاريزما» أن يحب نفسه وإلّا لن يحبّه الآخرون. الصفة الثانية تقوم على مقولة الشاعرة والناشطة الأميركية «موريل روكيسير» بأن «الكون مصنوع من القصص وليس من الذرّات». لذا على المتدرِّب لدى مؤسسة نيومان أن يتعلّم كيف يخبر عن نفسه وعن آرائه، وعليه أن يتقن رواية قصص بسيطة ولامعة تثبت في قلوب أو عقول معجبيه، ثم تأتي صفات الانفتاح والود والتعاطف مع الآخرين، وهذه المشاعر عليها أن تظهر في حركة الجسد الرشيقة، وطريقة الكلام الجدّية والحاسمة، وإطلاق العبارات الفكاهية، لتأكيد الفكرة وتبسيطها.
كثير من الزعماء أبدعوا في أدوارهم السياسية كما أبدع الممثّلون في أدوارهم السينمائية، وهُم جميعهم نجوم برؤية الجمهور، فالشخصية السياسية تنمو كما شخصية الممثّل الذي يحسن اختيار أدواره، فينال بذلك المزيد من الإعجاب، وترتفع أسهمه بين النجوم، وبالشهرة يمتلك المال والحرس الشخصي والأرتال، وهو الزعيم نفسه الذي يمشي على البساط الأحمر على إيقاع نشيد بلاده، ويتوسّط الزعماء في الصورة، فوجه الشبه دائماً متقارب بين المهرجانات السينمائية والمؤتمرات السياسية، ولا تخلو مهرجانات السينما من طرافة بعض النجوم وتبادل الدعابة، تماماً كما في مؤتمرات الزعماء، من لقاءات الثمانية، إلى الاتحاد الأوروبي إلى الأمم المتّحدة، إلى الجامعة العربية التي شهدت الكثير من مسرحيات التراجيديا والفكاهة، وكانت على مدى عقود محلّ اهتمام ومتابعة الجماهير العربية للخلافات العربية - العربية، ومفاجآت الزعيم الليبي معمر القذافي، وطرائفه المضحكة المبكية في حضور زعماء كِبار عاشوا عقوداً تحت تأثير الوهم باستمرار البقاء، لكنّهم سقطوا على التوالي وسقط معهم!
لا شك أن الإعلام لعب دوراً كبيراً في صُنع الشخصية السياسية الكاريزماتية، تماماً كما فعلت السينما مع نجومها، ويبدو أن التأثير نفسه كان أيضاً وراء خفوت الشخصية الكاريزماتية، فالمتابع مسيرة الممثل الأميركي «كلينت إيستوود» مثلاً يلاحظ أن جاذبيته قد خبت عندما تجاوز التسعين، بخلاف ما كان عليه عندما أنتج أروع أفلام رعاة البقر في سن الثلاثين والأربعين والخمسين، فالوقفة العنيدة بحذاء النجمة والنظرة الواثقة والسيجار في زاوية الفم وموسيقى أفلام الكاوبوي الشهيرة كانت العوامل التي صنعت منه نجماً وسيماً، وهي العوامل المؤثّرة نفسها التي صنعت جاذبية القبيح «تشارلز برونسون»!
لو لم يكن هؤلاء الزعماء والفنّانون نجوماً عالميين، وكانوا على هامش الحياة أناساً عاديين لا أظن أن أحداً سيهتم بمرورهم العابر في الحياة ما لم يكن لهم الفعل والإيثار كما في حياة الزعماء نهرو وتيتو وخروتشوف، فشخصية مثل «موسوليني» قد يكون «طباخاً» في أحد مطاعم روما القديمة بضاحية «ستاسيوني تيرموني»، يتقاضى أجره اليومي قطعة لحم وبطاطا وزجاجة نبيذ أحمر. كذلك «هتلر» قد يكون «ساعي بريد» على درّاجة هوائية يجوب شوارع برلين، ولا يعرف سوى العناوين وصناديق البريد. لكن الظرف الزمني والصدفة والدراية والمهارة جعلت من «الطبّاخ» زعيماً للفاشية، وجعلت من «ساعي البريد» زعيماً للنازية، وأن يلتقيا في الزمن على مسرح الأحداث العالمية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات