Atwasat

مأساة المكفوفين

عبد الكافي المغربي الثلاثاء 07 يناير 2025, 05:32 مساء
عبد الكافي المغربي

أوصى أرسطو بجدارة المكفوف الذي لم يجلب على نفسه فقدان البصر (في مشاجرة أو بتعاطي الخمور اللاذعة القوية) بالشفقة والمساعدة. وإلى جانب أحزان كورديليا، لطالما انقبضت لمأساة أوديب الضرير صدور الملايين من مرتادي المسارح وقراء الدراما. وبرغم تطور التقنية، وتعاظم فرص المكفوفين في الاندماج، لا يزال فقدان البصر «مأساة» مُقعِدة.

بيد أن استجابة المبصرين لمأساتنا تظل بدائية، تتمثل في شعور ممزوج من الخوف من نهاية محتومة للكفيف، والبهجة بأن التفاعلات الجينية وفرت عليهم تلك النهاية الدامية والحتمية. رمزية هذه الاستجابة البدائية هي بكائيات لا تغني الكفيف ولا تنقذه، وتلفزيون الوسط، وإن لم ينجر مع التيار إلى القاع الآسن، لم يغفل أن يصاحب تأريخ السيد محمد علي سعود المتزن والدقيق لمسيرة جمعية الكفيف بنقر متباطئ على العود، يستشرف في اعتدال نبرته أنات أخرى، أكثر بدائية وأقل نفعاً.
لن يكون ثمة تطور في طب العيون يعيد البصر للمكفوفين في المستقبل البعيد، بالقدر نفسه الذي لن نتوفر فيه على عقاقير لأدواء النفس البشرية من عنصرية عرقية وترفُّع طبقي وتفاوت أيديولوجي. هل يدعو ذلك لليأس واستدعاء البكائيات التي ابتكرها المبصرون وانساق وراءها بعض المكفوفين؟

لم يوجد كفيف تجرع من كؤوس الآلام مثلي. أرتاد البلاد وأتجول في المدن وحيداً، أعتمد على وقت المبصرين، ولم يكن من مناص في شقتي التي تحتم عليَّ الانعزال بها أن أرتاد مجاهل الطبخ والتقطيع والتقشير المستعصية على جمْعِنا في الأعم الأغلب. آلامي فيها ما يكتب، وما لا يدون. لكن خصوصية تجربتي وتعدد جبهات معركتي (أشدها احتداماً معركتي مع الجهل) أنا أملك من الصلابة ما تحمِلُني على تجاوزها. لكن عمومية تجربة المكفوفين لا تقل مأساوية وأنا أشترك معهم فيها.

لا يحظى الكفيف الغربي نفسه بذات مستوى الرفاه الذي عَطَّل المواطن وأحاله إلى حالة من اللامبالاة السياسية. تخيل أن وصولك إلى فرص العمل بالقطاع الخاص تكاد تكون نادرة، والحكومات أخذت على عاتقها تشغيل قطاع واسع من المكفوفين في استجابة للمشكلة. تصور أن المشكلة لم تحل، فقارئات شاشة الكمبيوتر والتي تتيح فرص تلقي المعلومة واستيعاب المعارف على النهج البدائي (الأمي كما وصفه مكفوف متهكم)، تكلف 1500 دولار كل ثلاثة أعوام لتحديثها.
والمأساة أشد سوداوية، فشركات التأمين الصحي، الخاصة والعامة، تدرك أن مطالب المكفوفين أكيدة ومتوقعة، فترفض تمريرها. يصعب على الكفيف الغربي الاستمرارية في تأمين مصدر «الأميين» للوصول إلى المعرفة، الصوت. ماذا لو طمح الكفيف لحَقِه في الاستغراق في القراءة عبر سطور برايل البديعة؟ هل ينخرب بيته.

لقد استحالت صناعة التكنولوجيا المساعدة سوقاً لا ترحم. وأنا إذا ما سئلْتُ عن رغبتي في أن أُصبِح مبصراً، لا شك أني سأرحب بالاستقلالية التامة، لكن لن أتخلى عن المتعة الخاصة، والتعويضية، في قراءة جهاز برايل.

ألا يجدر بنا أن نلتزم بوصية أرسطو، وألا نجعل المكفوفين يدفعون ثمن إعاقة لا يساءلون عنها. أليس من حق الكفيف الحصول على حقوق إضافية لتغطية نفقاته التي لا مفر منها عوضاً عن تضييق الخناق عليهم أكثر من سواهم، والتسمر في طريق بهجتهم؟ أنعلمهم صيدَ الأسماك أم نتذكرهم في بكائياتنا الرخيصة فيما نرفل نحن في نعيم حظ لم نتخيره وإنما صادف مصادفة؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»