Atwasat

أصوات مصرية

منصور بوشناف الخميس 26 ديسمبر 2024, 02:06 مساء
منصور بوشناف

كنا نقرأ طه حسين وعباس العقاد وعلي عبدالرازق ككُتاب تنوير يدشنون لنهضة مصرية عربية وكانوا ورغم الخيبات التي تلت كتبهم، تنويريين حقيقيين.

كان محمود مختار قد دشن «نهضة مصر»، وكان نجيب محفوظ قد أحيا «رادوبيس» و«كفاح طيبة» وصاحب كل ذلك موسيقى «سيد درويش »، كان العرض المصري في مهرجان «البوست كولونيال» مبهرًا، كانت الحداثة بالنسبة للعرب مصرية تمامًا، كانت الحداثة هبة مصر للعرب.
تلك الحداثة تأسست على الإحياء أو «النهضة» إحياء التراث والانفتاح على الآخر «الأوروبي» من أجل إنجاز الكيان الحديث، كانوا يشكلون «الصورة المتخيلة» للأمة الحديثة التي ينشدون، وكانت الآداب والفنون بكل أجناسها مواد وأزاميل وألوان نحت وتصوير تلك الصورة «الصورة المتخلية» لأمة تشق طريقها في التحديث والنهضة.

كان النص المكتوب «أساس ومنطلق تلك الحداثة» قد قطع شوطًا كبيرًا في حواره مع ميراثه العربي القديم متكئًا على ميراث أوروبا التنويري، ووصل إلى تشكيل صورة أخرى للتراث العربي. كانت شهر زاد تأخذ صورة أخرى بريشة توفيق الحكيم وكذا «أوديب»، ذلك النص الفصيح ظل يومئ لمشروعه التنويري عبر التراث العربي القديم معيدًا قراءته وتشكيله من جديد من أجل سردية جديدة كبرى، تعلي قيم التنوير والحرية قيم العقل وقد تحرر من قيود النقل، وترسم صورة جديدة للأمة المتخيلة الجديدة والحديثة، كانت تلك الطليعة من الرواد تحقن مومياء مصر والعرب والمسلمين بدماء الحداثة والتنوير.

عبر تلك الرحلة الطويلة من معالجة وحقن تلك المومياوات التراثية الرسمية ونصوصها تشكل مشروع الإحياء وأشعل مشاعل التنوير وبدأت الأمة ترى نفسها عائدة بماضيها إلى الحياة عفية مشرقة تبني بمعاول وفؤوس الحداثة الكيان العربي الحديث، إن كل مواد التراث المحنطة تصير خامًا لبناء نهضة مصر والعرب.

تلك المشاعل والمعاول والفؤوس امتدت أيضًا لتطال اليومي الشعبي، كان الفلكلور، الرقص والزجل والملاحم الشعبية قد تحولت لدى طليعة جديدة أخرى إلى مشروع الثورة وليس النهضة بمعناها العقلي التنويري «الرسمي»، الثورة التي ظهر فيها «الحسين ثائرًا» وليس مزارًا، كان الكرنفال الشعبي يتحول من فعل تلاشٍ للذات والأمة في المطلق الغائب إلى حضور الذات الفاعلة والأمة الثائرة، كان بيرم التونسي وورثته الجدد يفعلون فعلهم في ذلك الموروث الهائل من الزجل والكرنفالات الشعبية ويحولونه مشروعًا للهدم والبناء والثورة، كان أحمد فؤاد وشيخ إمام وصلاح جاهين والأبنودي يجذرون في الوجدان مشروع النهضة ويرسمون صورة أخرى للأمة. كانت مصر تعيش «ليلتها الكبيرة» و«كلنا كده عاوزين صورة».

عقود من تلك «الليلة المصرية الكبيرة». نبني ونغني ونرقص، نفكر ونستغيث بـ«حابي».

يقول «جوته» على لسان «فاوست»: «أمِن الضروري أن أحمل حنيني وأسعى كي أعيد ذلك المخلوق إلى الحياة؟».

و«كان ما سوف يكون» ويتبدد صراخ نجيب سرور «منين أجيب ناس» في الحوارى وع القهاوي وفي الساحات. فجيفارا مات.

«أشيلا ممبي» يقول ما معناه إن أمم العالم الثالث وبعد نيلها الاستقلال تحاول أن تصنع سردية خاصة وأن ترسم صورة للأمة المستقبل وذلك بإحياء تراثها القديم لمواجهة سردية المستعمر ولكنها قد تبعث إلى الحياة دون أن تعي كائنًا زومبي، ميتًا عاد إلى الحياة ولكنه يقتات ويعيش على دماء الأحياء من أمته التي أعادته إلى الحياة، ويقول محمود درويش «كان ما سوف يكون».

عام 1978م كنت بسجن الكويفية ببنغازي قد استمعت مرتين لمسرحية «موت صرصار» لتوفيق الحكيم يؤديها الإنجليز بإيقاع هادئ يخفي توترًا. كان مسرحًا صوتيًا.

عام 1989م جئت مصر لأول مرة بعد خروجي من السجن بشهور قليلة من أجل المسرح والتجريب، جئت وذاكرتي تعج بالأصوات، أصوات المسرح فلقد ظللت أتابع المسرح لاثنتى عشر عامًا في السجن عبر راديو «بي بي سي وورلد» بمعدل مسرحية كل أسبوع، حتى صار المسرح أصواتًا بالنسبة لي، وشاهدت مسرح الأصوات المتعددة مباشرة لأول مرة، شاهدت «الدربكة» للمخرج انتصار عبدالفتاح، فقلت هذا الرجل يؤلف موسيقى إنه «كومبوزر» حقيقي. عبر هذا العرض أحسست أن مصر تعود إلى منابع نهضتها من جديد عبر الإحياء، إحياء الإيقاع، إيقاع الرقص والعمل والتعبير عن الذات ومطامحها، كان الإيقاع يقود كل العناصر، كانت مقاومة الركود الذي دب في الكيان بعد خيبات تحديث طويلة ومريرة بالرقص والغناء والعمل والانفتاح على الضفة الأخرى.
«الدربكة» تفارق مشروع نهضة الكلام وسرديته الكبرى للنهضة وتلج عبر تنوع الإيقاعات مشروع إحياء الروح عبر مفردات الجسد، عبر الإيقاع. صارت الدربكة مفردة بديلة وتجاورت الإيقاعات وتنافرت وتضادت وتشظت، وسالت عبر مجرى نهر جديد يشق مجراه وسط ركام التراث وسرديات الحداثة نحو سرديات صغيرة، ربما نحو ما قبل الكتابة حيث الإيقاع والجسد أدوات لكتابة الروح وآمالها وإحباطاتها.
ثم شاهدت للمخرج الرائد حقيقة انتصار عبدالفتاح «مخدة الكحل» عام 1998م التي كانت حسب ما أعتقد خطوته الواثقة الأولى وخوضه الواعي الأول في فنون ما بعد الحداثة، حيث التجاور والنوستالجيا وغياب السرديات الكبرى، والتشظي، وانفصال الدال عن المدلول، والسعي الحثيث لإنجاز فن مكتفٍ بذاته، مسرح الأحاسيس، مسرح مفارقة الدال لمدلول الذي ألبسته إياه سردية الحداثة الكبرى، والذي يسعى لخلق سرديته الجديدة عبر البصر والإيقاع والإحساس، عبر تحاور وتضاد وتنافر وتناغم الماضي والحاضر وأحلام المستقبل.
كان المسرح وعبر تجريب «انتصار عبدالفتاح» لأدوات التعبير الشعبي وتنوع إيقاعاته وتعدد أصواته شروعًا حقيقيًا وجادًا في البحث عن عناصر النهوض والنهضة في ذواتنا وإطلاقها من سجونها ومنافيها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»