Atwasat

حصادُ عامٍ

جمعة بوكليب الأربعاء 25 ديسمبر 2024, 02:36 مساء
جمعة بوكليب

جرتِ العادة، أنه مع قرب نهاية كل عام ميلادي، يتزاحم المعلقون والمحللون السياسيون في مختلف استوديوهات القنوات التلفزيونية، والإذاعات، والجرائد على تقديم قراءاتهم لما مضى من أحداث وتطورات، وكذلك تكهناتهم لما قد يطرأ من تطورات في العام الجديد.

هذا العام 2024، حاز الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب على لقب «رجل العام» من مجلة التايمز الأميركية، ومن جريدة الفايننشال تايمز البريطانية. استحقاقه للقب تم بناء على عودته إلى الساحة السياسية بعد غياب أربع سنوات، وفوزه الساحق على منافسته الديمقراطية كامالا هاريس. الغياب، في هذا السياق، لا يعني غيابه عن الساحة السياسية والإعلامية.، فالرجل كان شديد الحضور، وبارزاً. وتشهد بذلك ردهات المحاكم الأميركية؛ بل عبر إجباره على ترك مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض، بخسارته انتخابات العام 2020.

وسواء اتفقنا مع ترمب سياسياً أو اختلفنا معه، وسواء صدقنا أو كذبنا ما كيل له من تهم أخلاقية وفساد مالي في المحاكم الأميركية، خلال سنوات غيابه عن البيت الأبيض، إلا أن عودته ونجاحه أخيراً يستحقان فعلياً الإعجاب. وهذا لا ينفي حقيقة أن العالم من دونه أفضل مكاناً للعيش. وأن العودة نذير وليست بشيراً بعالم أفضل. وتوقع عكس ذلك لا يختلف عمن يمنّي النفس بتذوق حلاوة عسل من مؤخرة يعسوب.

رئيسة وزراء الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني حظيت هي الأخرى بإعجاب أغلب المعلقين على بروزها في الساحة الأوروبية والأدوار التي لعبتها على خشبتها خلال العام الماضي، رغم كل الصعاب، وتمكنها من البقاء على رأس الهرم السياسي الإيطالي في بلد لا تعيش فيه الحكومات طويلاً. ويبدو أن حسن حظها في تعزيز مكانتها أوروبياً ما كان ليحدث لولا الضربات المفاجئة التي حلت بكل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولف شولتز. وكان من الأجدى منحها لقباً آخر، ربما يليق بها أكثر، ونقترح أن يكون «لقب أكثر رئيس حكومة غربية زار ليبيا خلال العام». ومن لا يعرف معنى كلمة: «سرّيك مرّيك» في اللهجة المحكية الليبية، ليس عليه سوى الرجوع إلى سجل الزيارات الرسمي.

وهناك أكثر من سبب لأن يتجاوز المعلقون الغربيون اختيار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليكون رجل العام، رغم أنه، في رأيي الشخصي، يستحق أن يكون اسمه ضمن قائمة المتنافسين على اللقب، بصموده في وجه كل العواصف التي صُمِّمت في واشنطن وعواصم حلفائها لزعزعته، على أمل دفعه خارج الحلبة.

وعلى المستوى المحلي الليبي، لا يبدو أننا قادرون على العثور على اسم واحد في زحمة من يعتلون الخشبة السياسية يستحق الإشارة إليه ولو من بعيد، وبإصبع خنصر. وهذا لا يعني أننا لا يمكننا إيجاد بديل من خارج تلك الحلقة، يستحق أن نشير إليه، ونرى استحقاقه ليس بلقب «رجل العام»، بل بلقب «مكان العام». وأقصد بذلك تلك البقعة المغربية المسماة «بوزنيقة».

وأراهن أن أغلب الليبيين لا يجهلون الاسم، وإن كانوا مثلي يجهلون موقعه على خريطة المغرب. وأعترف أنني، حتى هذه اللحظة، نتيجة كسل أو لا مبالاة، لا أعرف أن كانت «بوزنيقة» المرشحة للقب، اسم مدينة أو بلدة أو قرية، ولا في أي جهة تقع. وهذا لا يعني أن عدم معرفتي الشخصية ستقلل من المكانة اللائقة بها في واحدة من أحلك صفحات تاريخنا الليبي المعاصر.

ذلك أن «بوزنيقة» فرضت حضورها على المعلقين السياسيين وعلى المؤرخين على السواء، باعتبارها المكان الذي اختارته النخبة السياسية الحاكمة لإجهاض كل محاولة من شأنها أن تفضي إلى عقد انتخابات رئاسية وبرلمانية.
ولا أظن أيضاً أن أغلب الليبيين يعلمون بالأسباب التي أدت إلى اختيار ذلك المكان، ليكون مكباً أسسته النخبة الليبية للتخلص من كل ما من شأنه أن يؤدي بالبلاد والعباد إلى الخروج من النفق المعتم.

ولذلك السبب وغيره، أرى أن «بوزنيقة» تستحق بجدارة على المستوى المحلي الليبي لقب «مكان العام». ومهما يبدو الاقتراح غريباً أو حتى غير منطقي، إلا أنه يتسق تماماً وغرابة مع ما يحدث على الساحة الليبية من فانتازيا، وما يشوبها من تناقضات وكوارث تبدعها قرائح وعقول الحاكمين واللاعبين من حولهم. ومن دون شك، أن «بوزنيقة» ستنال، ومن دون منافسة محتملة من أي مكان آخر، «لقب مكان العام» في السنة المقبلة 2025، والتي تليها!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»