Atwasat

عوامل انحرافات الديمقراطية في الغرب (2-2)

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 22 ديسمبر 2024, 02:33 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

الحديث عن الديمقراطية يستدعي، حتمًا، الحديث عن حقوق الإنسان التي في صدارتها حق المواطنة. فالفرد، ذكرًا كان أو أنثى، في الدولة الديمقراطية يحمل صفة «مواطن» دون اعتبار معتقده الديني أو توجهه الفكري أو لونه أو أصله. هذا، بطبيعة الأمر، يتضمن كفالة حرية المعتقد الذي يشمل حرية اعتناق الأديان والخروج منها دون خوف من العقاب ودون خوف على حياته بسبب تبديله معتقده، الشأن الذي يترتب عليه حق التعبير عن الرأي، فلا يمكن أن توجد حرية التعبير عن الرأي وجودًا سليمًا وحقيقيًا دون كفالة حرية المعتقد.

ولذا فالأديان لا يمكن أن تتوفر لها الحماية والمساواة إلا في دولة ديمقراطية. والديمقراطية، بهذا التوصيف، تقتضي العلمانية. فلا ديمقراطية دون علمانية، والعكس ليس صحيحًا، إذ يمكن أن توجد علمانية دون ديمقراطية. فالفاشية والنازية والصهيونية أنظمة علمانية، إلا أنها ليست ديمقراطية.

الكلام عن حقوق الإنسان يثير اعتراضًا فيما يسمى «دول الجنوب» بدعوى أنه «اختراع» غربي استعماري يستهدف نشر الفوضى الاجتماعية والانحلال وتغيير هوية هذه المجتمعات. وهذا كلام مردود عليه، ذلك أن النضال الإنساني من أجل هذه الحقوق بدأ منذ فترة مبكرة من تاريخ الإنسانية، منذ أن صار هناك حكام ومحكومون وأحرار وعبيد، ودفع ثوار ومصلحون ومفكرون، في جميع الحضارات (بما في ذلك حضارتنا الإسلامية)، حياتهم في هذا السبيل أو عانوا مرارة التشريد والسجن.

والطرح الغربي هو خطوة متقدمة في هذا الأفق، ولا تستهدف حقوق الإنسان نشر الفوضى والانحلال، وإنما نشر الحرية التي تراعي إنسانية الإنسان وكرامته، والتعلل بـ«تهديد» الهوية من قبل هذه الحقوق تعلل ملتبس، فمن جهة الهوية ليست معطى ثابتًا وإنما هي تيار متحرك، وإن ببطء، عبر التاريخ، كما أن القول بوجود تهديد لهذه الهوية يخشى منه عليها يعد اعترافًا من القائلين به أن هذه الهوية إنما هي هوية هشة.

الإتيان على ذكر مواثيق حقوق الإنسان الدولية يثير مسألة قانونية تتمثل في العلاقة بين هذه المواثيق والقوانين المحلية من حيث أيهما يحوز الولاية الأعلى. وأعتقد أن هذه المسألة لا تحتاج إلى اختصاصيين في القانون الدولي للإفتاء فيها، فالمواثيق الدولية ملزمة للدول التي صادقت عليها، وبالتالي تعلو ولايتها على ولاية القوانين المحلية بهذا الخصوص.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»