الرواية في ليبيا عربية، وليس كما في المغرب العربي مثلا، ما كتب كثير منها بالفرنسية. فليبيا حظيت باستعمار فقير وفاشي، وعليه لم يُعر الثقافة والتعليم وبالتالي لغته اهتماما. لكن لأن لكل قاعدة استثناء، فإن الاستثناء الروائي هشام مطر، الليبي من يكتب بالإنجليزية، ومن حازت روايته الأولى « في بلد الرجال»، على اهتمام جمّ، فوصلت القائمة القصيرة للبوكر العالمية (الإنجليزية) 2006م، وفازت روايته السيراوية «العودة» 2017م، بجائزة «بوليتزر»، وهو أول عربي يتحصل عليها.
والسؤال ما الذي يميز هذه الرواية؟، الجواب ليس لرواية ما جنسية التي يحملها عادة البشر، ولهذا فإن الرواية في ليبيا، تميزت بالكُتاب الذين كتبوها، كما تتميز كل الفنون والآداب والعلوم. لقد تميز الكتاب، من خرجوا من أتون المحن، ليكتبوا ملاحمهم الخاصة، التي لا تضيف لها أي جائزة الكثير، لكنها كمُبدَع تضيف للإبداع وللرواية.
كثيرون يعرفون، أن الرواية كما القصة القصيرة فنٌ حديث، تقريبا برز في القرن التاسع عشر، وإن كانت الجحش الذهبي، فألف ليلة وليلة، ثم دون كيخوته، بئر السرد الأول الذائع الصيت، ما استقي منه الساردون فن الرواية والقصة. لكن كثيرين أيضا، لا يعرفون سردية الرواية في ليبيا، التي كتبت ونشرت العديد منها عبر الصحف كمجلة المرأة مثلا، لكن التي حظيت منها بالطباعة في كتاب سنة 1961م، وكانت كُتبت في الخمسينيات، «اعترافات إنسان» الرواية الرومانسية لمحمد فريد سيالة، وقد أعادت مجلة «الدوحة» طباعتها وتوزيعها مرفقة مع المجلة 2017م.
وحينها كتب الناقد يوسف القويري، حول نظرية الرواية، بأن الرواية فن المدينة، فالسرد الروائي غير فن الحكاية والمقامة، حيث يهتم بالنسيج الاجتماعي ويغوص في النفس البشرية، ويقوم بتشريح الشخصية الروائية، في نثر تقريري مكثف. مما يعني أنه بحاجة لتجربة عميقة، من ذا فمسألة العمر، عند من يستهدف كتابة الرواية، من لزوم ما يلزم، وهذا ما جعل القويري يرى أنه لا بد أن يتجاوز الثلاثين!. ولعل من دوافعه إلى هكذا نظرة، ندرة الرواية في الكتابة الليبية.
حتى تعد «من مكة إلى هنا» رواية الصادق النيهوم، التي نشرت 1970م عن جريدة «الحقيقة»، الحجر الذي حرك المياه الراكدة، فصدورها أثار جدلا صاخبا، إلى درجة أن الشاعر على الفزاني، اعتبر أن هذه الرواية بحاجة إلى ثلاثين سنة!، حتى تُفهم جيدا. وقد كُتبت الرواية وصدرت في سياق زمن الرواية المنشغلة بالعلاقة بالآخر، وبمسألة الشرق والغرب، وفي نسيج واقعي قماشتهُ الحداثة.
من ذا كانت «من مكة إلى هنا»، ما يشبه المُعارضة لـ«موسم الهجرة إلى الشمال»، رواية الطيب صالح، التي ظهرت كأيقونة مفارقة في الرواية العربية، ومتميزة في الكتابة الروائية. وبطل «من مكة إلى هنا» الزنجي صياد السمك، مسألته الرئيسة مسألة دينية، لذا يُولي وجهه لمكة، فيما بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» الفرويدي، يولي وجهه إلى الشمال، حتى وهو يغرق في بحر النيل بعد عودته.
والعلاقة الأسلوبية المشتركة للكاتبين باللغة الإنجليزية، يمكن استشرافها حتى من خلال البنية السردية، واكتشاف الفروق بينهما، كما هي بين د.هـ.لورانس، وأرنست هيمنجواي.
بعد ذلك كانت الرواية في ليبيا، بطيئة وغائبة، فالقصة القصيرة ديوان نتاج الستينيات والسبعينيات، وأحمد إبراهيم الفقيه وخليفة الفاخري، ثم في السبعينيات عمر الككلي، وهم نسيج وحده في فن القص العربي. ولعل الحصار الذي ضُرب من زعيم انقلاب سبتمبر 1969م العسكري، قد خاط الحياة بالوجل والتوتر وعدم الاستقرار، ما أسهم في أن كتابة القصة القصيرة، فن السرد المشدود إلى أنفاس الشعر، قد نازع الشعر في أن يكون ديوان العرب.
لكن ذالكم الحصار، ما قطع أنفاس السارد والمسرود، سيشكل للرواية في ليبيا منزعا من الخصوصية، لقد نضج السارد في كبد ومكابدة، وإنما على مهل.
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، انتشرت الرواية في العالم، خاصة عقب هيمنة رواية الواقعية السحرية الأميركية اللاتينية، وكسر سيطرة المركز الأوروبي. الرواية منذئذ سارد روح البشرية، بعد إزاحة آلهة الشعر، من أكروبول سيادة الفنون كل القرون الماضية، لقد تنفس النثر الصعداء أخيرا.
والبحث في مسببات ذاك طويل، وصعب المراس، وليس هنا مجاله، حيث نهتم وننحاز للنتائج. وفك الحصار بالنسبة للسردية الليبية، تصاعد على يدي إبراهيم الكوني، من يغزل من التراب والسكون رواية بدأت كي لا تنتهي، منذ خسوف الكوني الرباعية، فمن خلال سردياته اكتشف العالم الصحراء الكبرى، وعرف كيف ينطق الحجر، ويتجلى الخفي ويصدع الكتمان، الكوني يعيد نسج أساطير الزوال. ومن هذا ترجم من العربية، لغة كتابته، إلى ما يقارب الثمانين لغة، وعُرفت روايته وتعددَ قراؤه، كما لم يحصل للكثيرين غيره، فغدا صائد الجوائز، وإن نأت عنه نوبل، كما تنأى عن غيره، ممن لا يكتب بلغة أوروبية في الغالب.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات