Atwasat

من «المسألة الشرقية» إلى «الشرق الأوسط الجديد»

بشير زعبيه الأحد 01 ديسمبر 2024, 03:17 مساء
بشير زعبيه

الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تاريخه‭ ‬هو‭ ‬تاريخ‭ ‬الحروب‭ ‬منذ‭ ‬مسماه‭ ‬الأول ‬‮«‬المسألة‭ ‬الشرقية‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬عرِف‭ ‬بها‭ ‬كنتاج‭ ‬لمسلسل‭ ‬الحروب‭ ‬بين‭ ‬الإمبراطوريتين‭ ‬الروسية‭ ‬أو‭ ‬العثمانية‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين. ‬حروب‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬تهدأ‭ ‬هنا‭ ‬حتى‭ ‬تشتعل‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المدى‭ ‬الجغرافي‭ ‬الذي‭ ‬يتشكل‭ ‬فيه،‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬المتوسط‭ ‬إلى‭ ‬بحر‭ ‬قزوين‭ ‬غربًا،‭ ‬ومن‭ ‬شواطئ‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭ ‬شمالًا‭ ‬إلى‭ ‬بحر‭ ‬العرب‭ ‬جنوبًا. ‬منطقة‭ ‬ملتهبة‭ ‬ومعقدة،‭ ‬ومتداخلة‭ ‬ديموغرافيًّا‭ ‬واجتماعيًّا‭ ‬وسياسيًّا،‭ ‬مما‭ ‬أنتج‭ ‬عديد‭ ‬الأشكال‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬القومية‭ ‬والدينية‭ ‬والعرقية،‭ ‬انبعثت‭ ‬فيها‭ ‬ثلاث‭ ‬إمبراطوريات (‬الروسية،‭ ‬والفارسية،‭ ‬والعثمانية)‬،‭ ‬سادت‭ ‬حينًا‭ ‬من‭ ‬التاريخ؛‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تختف،‭ ‬وإن‭ ‬تقلصت‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬أرواحها‭ ‬الثلاثة‭ ‬تحلق‭ ‬فوق‭ ‬المنطقة،‭ ‬وتتمظهر‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬إثبات‭ ‬حضور‭ ‬جديد‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬بحروب‭ ‬جديدة‭ ‬هي‭ ‬الثلاث‭ ‬نفسها‭ ‬أبطالها،‭ ‬وإن‭ ‬أخذ‭ ‬مسمى‭ ‬‮«المسألة‭ ‬الشرقية»‬‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬اسمًا‭ ‬آخر،‭ ‬وهو ‭‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط»‮.‬

واللافت‭ ‬أن‭ ‬ظلال‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬التاريخي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬قائمة‭ ‬ونحن‭ ‬نعيش‭ ‬الربع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الـ21؛‭ ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬الاحتكاكات‭ ‬المتجلية‭ ‬في‭ ‬الحالتين‭ ‬السورية‭ ‬والليبية،‭ ‬حيث‭ ‬يوجد‭ ‬الروسي‭ ‬والتركي‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬تمظهره‭ ‬العسكري،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬مثال‭ ‬قريب‭ ‬على‭ ‬ذلك؟‭ ‬هنا‭ ‬أيضًا‭ ‬يمكن‭ ‬استحضار‭ ‬شواهد‭ ‬كلامية‭ ‬تخدم‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬صدرت‭ ‬على‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬ممن‭ ‬نعنيهم،‭ ‬أولها‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الرئيس‭ ‬التركي،‭ ‬رجب‭ ‬طيب‭ ‬أردوغان،‭ ‬خلال‭ ‬خطاب‭ ‬له ‬في‭ ‬يناير‭ ‬العام‭ ‬،2009‭ ‬معرفًا‭ ‬نفسه‭ ‬بأنه «‬ليس‭ ‬زعيم‭ ‬دولة‭ ‬عادية؛‭ ‬بل‭ ‬زعيم‭ ‬أحفاد‭ ‬العثمانيين‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬رده‭ ‬على‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬آنذاك. ‬أما‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي،‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين،‭ ‬فقد‭ ‬ذكَّر‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬غزو‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بقيصر‭ ‬روسيا‭ ‬الخامس،‭ ‬بطرس‭ ‬الأكبر،‭ ‬الذي‭ ‬شن‭ ‬حربًا‭ ‬على‭ ‬السويد،‭ ‬لاقتطاع‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬فيما‭ ‬عرِف‭ ‬بـ«حرب‭ ‬الشمال‮»‬،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أنها‭ ‬عملية‭ ‬استعادة‭ ‬أرض‭ ‬منها.. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يأخذ‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يستعيده‭ ‬منها،‭ ‬بينما‭ ‬اتهمه‭ ‬الغرب‭ ‬بأنه‭ ‬يحلم‭ ‬بإعادة‭ ‬مجد‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الروسية.‭ ‬وليس‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الاستدلال‭ ‬اتهام‭ ‬إيران‭ ‬بأنها‭ ‬بتدخلاتها‭ ‬من‭ ‬أفغانستان‭ ‬إلى‭ ‬لبنان،‭ ‬مرورًا‭ ‬باليمن‭ ‬والعراق‭ ‬وسورية،‭ ‬تحاول‭ ‬بدورها‭ ‬استعادة‭ ‬مكانة‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الفارسية‭ ‬التي‭ ‬أنهى‭ ‬شاه‭ ‬إيران‭ ‬حياته‭ ‬باحتفال‭ ‬مشهود‭ ‬بالذكرى‭ ‬الـ2500‬ لولادة‭ ‬هذه‭ ‬الإمبراطورية‭.‬

أما‭ ‬الطارئ‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬فرض‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭- ‬إن‭ ‬صح‭ ‬التعبير-‭ ‬فهو‭ ‬مكافأة‭ ‬بريطانيا‭ ‬لليهود‭ ‬بوعدهم‭ ‬بإقامة‭ ‬وطن‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ضمن‭ ‬المتغيرات‭ ‬التي‭ ‬أنتجتها‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وكانت‭ ‬فلسطين‭ ‬هي‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬دولة ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬زاد‭ ‬تعقيد‭ ‬خارطة‭ ‬الجغرافيا‭ ‬والسياسة،‭ ‬وأدخلها‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬أنتج‭ ‬بالضرورة‭ ‬أبرز‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬المنطقة‭ ‬منذ‭ ‬انتهاء‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬آخرها‭ ‬ما‭ ‬يجرى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ولبنان،‭ ‬وينتقل‭ ‬في‭ ‬لمح‭ ‬البصر‭ ‬إلى‭ ‬سورية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬العنصر‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬إلا‭ ‬ليعود،‭ ‬وإن‭ ‬تبدلت‭ ‬أدواته،‭ ‬وتعددت‭ ‬عناوينه‭.‬ وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬فإن ‬‮«‬المسألة‭ ‬الشرقية‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬صار‭ ‬مسماها‭ ‬‮ «الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬،‭ ‬هي‭ ‬الآن‭ ‬تحت‭ ‬دفع‭ ‬المتغيرات‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬تتهيأ‭ ‬لمسمى‭ ‬جديد،‭ ‬وهو ‭ ‬‮«الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد».‬‭

السؤال‭ ‬هو: ‬إذا‭ ‬سلَّمنا‭ ‬بأن‭ ‬أطراف‭ ‬الصراع‭ ‬الكبار‭ ‬وفق‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه –منذ‭ ‬منتصف‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية‭ ‬على‭ ‬الأقل– لهم‭ ‬أجندات‭ ‬ومشاريع،‭ ‬ومن‭ ‬عوامل‭ ‬القوة‭ ‬والنمو‭ ‬ما‭ ‬يؤهلهم‭ ‬لخوضه،‭ ‬وإثبات‭ ‬حضورهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المتغيرات؛‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬عنصر‭ ‬مكون‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التاريخ‭ ‬والجغرافيا‭ ‬وضمانات‭ ‬الصمود،‭ ‬بل‭ ‬التقدم‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬فما‭ ‬حال‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬الناطقة‭ ‬بالعربية‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج،‭ ‬كما‭ ‬تُنعت،‭ ‬وسط‭ ‬هذا‭ ‬الصراع؟‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬مصيرها؟‭ ‬وماذا‭ ‬أعدت‭ ‬لمواجهة‭ ‬مستقبل‭ ‬موعود‭ ‬بمزيد‭ ‬الاحتكاك‭ ‬بين‭ ‬أطرافه،‭ ‬غير‭ ‬النوم‭ ‬على‭ ‬وسادة‭ ‬الماضي،‭ ‬وأحلام‭ ‬النصر‭ ‬المنزَّل‭ ‬من‭ ‬السماء؟‭ ‬وهل‭ ‬ستنجو ‬من‭ ‬رياح‭ ‬عواصف‭ ‬التغيير‭ ‬التي‭ ‬ينبئ‭ ‬مناخ‭ ‬المنطقة‭ ‬بقدومها،‭ ‬وإن‭ ‬توهمت‭ ‬أن‭ ‬الانحناء‭ ‬أمامها‭ ‬سينقذها‭ ‬من‭ ‬اقتلاعها؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»