يعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اعتلاء أريكة البيت الأبيض، ليكون الرئيس السابع والأربعين للولايات الأمريكية المتحدة بموجب فوزه في المعركة الانتخابية ممثلا لحزبه الجمهوري على منافسته كامالا هاريس، مرشحة الحزب الديمقراطي، التي كانت «نائبة» الرئيس بايدن عندما انتصر في معركة الرئاسة السادسة والأربعين.. تلك المعركة التي لم يكتفِ ترامب بالتشكيك في نزاهتها، وإنما أعقبها بشغب قام به أنصاره، وتصميم غير مسبوق، دأب على القيام به، لاستعادة ما قد رأى أنه الأجدر به، متحمّلا صعود أخطر السلالم فاتحا أوسع الأبواب وأكثرها إثارة، وبالذات للمعلقين ممن أجمعوا على استعراض سيرته الخاصة وتعهداته بما سَيؤدِّى في الواقع الأمريكي والمحيط الدولي.
ومثلما انتظر مناصروه في أمريكا الحد من الأداءات، المتمثلة في الضرائب والطاقة، إلى آخر ما لا يمكن الحصول عليه إلا بالتسريع من حل مشكلة أوكرانيا، وبالأحرى حربها بإعطاء الروس ما يصرون عليه من الأرض بالذات، إذ لا سبيل إلى السلام من دون القبول بما قبلت به بيلاروسيا ومن على شاكلتها، وأن الدول الحليفة هي الأخرى لن تنال ما درجت على نيله من أمريكا دون أن تسهم في ما يُطلب منها، وتتفق مع ما يعود إليها.
فالرئيس العائد لا يقبل في علاقاته بما سوى الصفقات، وقد لا يُفرِّقُ كثيرا بين الأصدقاء والخصوم، أي أن التفريق ربما يكون حول من تختلف بشأنهم نوعية المعايير، وليس ضرورة تطبيقها من حيث المبدأ، فإن قال قائلٌ منهم مُدَّعيا بذل النُصح: ما لكم ومال هذا الفوز أو عدمه؟ فلا خير في الاثنين! أجبنا ببساطة: لماذا لا يكون العكس ما دمنا قد عرفنا منذ الأزل أن بعض الشر أهوَن من بعض، وأن السلبية دائما أسوأ مما عداها، وأن انتهاجها ظنا أن فيها السلامة هو في الحقيقة موقف أراد ذلك صاحبه أم لم يُرِدْ؟!
لهذا وُصِفَ الحياد بالإيجابي عندما انعقد أول تجمع دولي اختيرت له باندونج في خمسينيات القرن الماضي، واتخذت الدول المنضوية تحت ذلك العنوان أكثر من موقف استفادت منه قياداتنا العربية وهي تكفل الأنصار أو تشرعن التراجع، وتسعى إلى تجاوز أكثر من مأزق، وأخيرا وليس آخرا، لأننا لن نجد مكانا خارج الكون.
لقد عقلنا قراءة المطبوعات التي بدأت في التدفق على البلاد منطلقة من كبريات المدن والقرى، وكانت يومئذ مرافقة بآلة العرض السينمائي المجاني، وعدد من المطبوعات المحذرة من الخطر الشيوعي، والمبشرة بحكومة بواسطة الشعب يُجَلِّلُهَا العلم الأمريكي، ريثما يتقدم التعليم مع دولة الاستقلال، وتبدأ المكتبات الوطنية باستيراد الكتب المتعددة، ولم يكن خارجها بعض ما كان مدعوما على الأرجح، مُحذرا من الأحلاف، وحاثّا على مقاومة الاستعمار والاحتكارات، ويتحول الانتماء السياسي إلى «موضة»، فيختلط الاقتناع بالادِّعاء، وتتوالى الأحداث التي لم يبق بعدها غير الولاء للأوطان، وتمتد الأعمار والعهود إلى أن يحل هذا الزمن الذي يفتخر فيه الأمريكي ترامب بصداقة الروسي بوتين، فتكون الهند والصين وما إليهما أخفَّّ وطأة. فليفخر من فاز في معركته، وصديقه الذي بادر بتهنئته، ونُدَوِّنْ فضاءنا هذا للتاريخ ليس أكثر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات