Atwasat

معجزةٌ على مقاسي

جمعة بوكليب الأربعاء 06 نوفمبر 2024, 02:43 مساء
جمعة بوكليب

خرجتُ من بيتي مبكراً، صباح يوم أحد، بغرض التمشي، فإذا بي أُفاجأ بسرب كامل من غربان العقعق (Magpies) تستحوذ على الطريق الأسفلتي. لم أستطع عدها من الكثرة. فوقعت في ورطة: هل أتطير من رؤيتها أم أتفاءل؟

حيرتي مبعثها علمي المسبق، بأن الإنجليز، في ثقافتهم الفلكلورية، يتطيرون من رؤية غراب عقعق وحيد، إن صادفهم في الطريق، مما يضطرهم إلى إلقاء التحية عليه والسؤال عن أحواله وأحوال عائلته، تفادياً لما قد يصيبهم من شر محتمل. لكنهم يستبشرون إذا كان العدد أكثر من غراب وحيد.

هناك أغنية إنجليزية قديمة ومشهورة، تصف أحوال ما يقابل كل عدد من تلك الغربان التي يراها المرء. لكن الأغنية، على حد علمي، تتوقف عند الرقم 5. بعد ذلك تفرض القافية نفسها، وتلجأ الأغنية إلى الخيال، وتنصحك بضرورة رؤية أو عدم افتقاد رؤية طير، أو شيء من هذا القبيل. لم أعد أذكر.

صباح ذلك الأحد المميز، وبعد أن أغلقت باب البيت ورائي، وخطوت خطوات قليلة على الرصيف، قابلني سرب الغربان العقعقي فتوقفت. بعد مراجعة قصيرة للمأثور الشعبي الإنجليزي، تبين لي أن كثرة العدد ليست علامة تطير، أو باعثا على خوف من شر محتمل. وأقنعت نفسي بأنه لا حاجة إلى معرفة ما ينتظرني من خير مؤمل.

أمي، رحمها الله، كانت حريصة على تذكيري دوماً بحقيقة أن بنادم، مثل ورقة السبسي (البفرة) والمقصود بذلك الضعف البشري: بدنياً ونفسياً وعقلياً. المرحومة أمي لم تتنبأ بأن ورقة السبسي (البفرة) المقصودة ستصير مشهورة، يوماً ما، وتتخاطفها الأيدي! الضعف البشري، الذي شبهته أمي بورقة بفرة، هو ما يجعلنا نتفاءل أو نتطير من رؤية طائر صغير بريء، مزين بريش جميل، وضعه القدر في طريقنا!

ذلك الصباح الخريفي المنعش، تأكد لي أننا نعيش في عالم بليد، ويزداد تبلداً. عالم يخلو من أساطير، ويفتقر إلى معجزات، مثل تلك العوالم التي كنا نسمع بها، أو نقرأ عنها. عوالم مثيرة يختلط فيها العقل بالخيال. فلا يميز المرء إن كان ما يعيشه واقعاً أم خيالاً. ولذلك السبب لا يتوقف كثيراً لتمحيص الأمر، بل يعيش حياته مع من حوله من البشر والأشباح والأرواح والطيور والحيوانات والنباتات، ومع الآلهة بكل تنوعاتها وقدراتها الخيرة منها أو الشريرة.

لكن في عالم اليوم البليد، لم يعد مكان لمعجزة ولا تستور. وكأن البشرية كبرت فجأة ونضجت بين يوم وليلة، أو كأنها، من جهة أخرى، نكصت عن ماضيها، بالتخلي طوعاً عن خصوبة خيالها وانحازت لبرودة حسابات العقل. الأمر يتوقف على الضفة التي تقف عليها.

أنا شخصياً، هذه اللحظة، أتمنى أن تعود عقارب ساعات الزمن إلى الوراء في لمح البصر، وتتاح لي فرصة العيش في عالم بلا حدود وبلا سدود تفصل العقل فيه عن الخيال، والآلهة عن البشر، والأحياء عن الأموات.

من يحتاج إلى معجزة؟
سؤال مشروع وجدتني أطرحه على نفسي. وإجابتي ستكون بسؤال: من لا يحتاج إلى معجزة؟
أعتقد أن كل واحد فينا في حاجة ماسة إلى عودة المعجزات إلى الأرض، ولو لفترة وجيزة، ليحقق ما فشل في تحقيقه من أحلام في حياته. لكنه يستحي من البوح بذلك، لعلمه أن الوصول إلى كوكب المريخ، أضحى أسهل وأكثر معقولية من ظهور معجزة مهما بلغ حجمها من الصغر.

إذ ليس شرطا أن تكون المعجزة كبيرة ومبهرة وبهدف تغيير العالم. وليس مهماً أن يسمع بها أو يراها أحد غيرك. هي معجزة شخصية لك وحدك، ومفصلة على مقاسك. وبهدف أن تحقق من خلالها ما فشلت في تحقيقه كل حياتك. وليس من ضمنها أن تفوز باليانصيب، أو تكون رئيس حكومة، أو قائدا مليشياويا. وعلى سبيل المثال لا الحصر، المعجزة المقصودة، والتي تناوشني منذ سنوات، تشبه إلى حد بعيد حلم إبليس في الجنة. أي لها علاقة بتصالحي مع ذاتي في سلام يتسق وسنوات عمري وكهولتي، والعيش بقلب خال من القلق.

ولأني فشلت طوال سبعين عاما في تحقيق ذلك، أصبت بإحباط شديد، ووصلت إلى قناعة بأن تحقيق ما أصبو إليه لن يُجرى الوصول إليه إلا بظهور معجزة.

معجزة صغيرة جداً، على قد حالي. وشخصية جداً، ولا تضر أحداً كذلك. معجزة أعرف مسبقاً، بأنها لن يأتي بها تفاؤل مفاجئ وساذج برؤية عدد مأهول من غربان عقعق، وجدتها في انتظاري، تتقافز على أسفلت طريق، صباح يوم أحد، في شارع خالٍ من المارة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»