في كتابها (حرة: بلوغ الرشد عند نهاية التاريخ) تتفطن الألبانية ليا يبي، لمأزق كتابة سيرة ذاتية بأسلوب روائي، فتخبرنا أن والدها الموهوب في العلوم أراد أن يواصل دراسة الرياضيات، «لكن الحزب أخبره أنه يجب أن ينضم إلى الطبقة العاملة الحقيقية بسبب سيرته الذاتية. ذكرت عائلتي هذه الكلمة غالبًا، لكنني لم أفهمها أبدًا. كان لها تطبيقات واسعة بحيث لا يمكنك تحديد أهميتها في أيِّ سياق معيَّن. إنها السيرة. إذا سألت أبويَّ كيف تقابلا ولماذا تزوَّجا، فسوف يجيبان «إنها السيرة الذاتية».
إذا كانت أمي تعد ملفًا ما للعمل فسيتم تذكيرها لا تنسي إضافة بضعة أسطر حول سيرتك الذاتية، وإذا ما اكتسبت صديقًا جديدًا في المدرسة، سيسأل أبواي بعضهما البعض: «هل نعرف أي شيء عن سيرتهم الذاتية؟»*1.
حين فكرتُ في كتابة رواية من خلال أحاديث أبي عن السنين التي قضاها في المعتقل كنت متوجسًا من كتابة السيرة بهذا المعنى الذي أقلق الكاتبة الألبانية، وما يزيد القلق حدةً محاولةُ أن تنجو بهذا المشروع الأدبي من كمائن الكتابة الوثائقية أو هيمنة صوت واحد على عمل جوهره (الحوار). وكان لابد من إطلاق شخصية «بهيجة» في ثنايا العمل، وهي شخصية واقعية كان أبي والعديد ممن شاركوها سنوات المعتقل مولعين بالحديث عنها كأسطورة تلمع داخل عتمة هذه التراجيديا التاريخية، كما أن ثمة فراغات في سيرتها يمكن ملؤها بالخيال، وكانت رغبة الرواية أن تعيدها للحياة الطبيعية، وأن تعيد لها أنوثتها التي تاهت في مجاهل الأسطورة أو ما يقتضيه صنع الأيقونة. «بدل ضمير أنا سأستخدم توصيف (الروائي) لأبتعد عن ضمير السيرة المتكلم والمقلق».
كان الروائي يسعى وهو يرسم صورة لها في ذهنه قبل أن يطلقها في الرواية لأن يعيد إليها أنوثتها التي اكتشفها والده ذات جلسة شاي مسائية رغم مثابرتها العنيفة في أن تدفنها تحت ملابس خشنة ومشية كائن خنثي، وكان دائمًا هاجسه النسوي ضد أن تتخلى المرأة عن أنوثتها في سباقها مع عالم الذكور نحو وهم المساواة، ونزولًا عند شروط هذا العشق المفاجئ لهذه الشخصية، وبعكس ما تداولته الروايات الشفاهية عن مشيتها المتغطرسة صوب المشنقة، فكّر في أن يجعل خطواتها صوب منصة الإعدام مرتجفة، بل وتجر قدميها الخادرتين فوق الرمال، وفكر في أن يفجر الأمومة المؤنثة في داخلها، ويجعل نقطة ضعفها ابنتها الوحيدة القابعة الآن عند رفيقتها في إحدى الخيام البعيدة، وهو الذي كان يزدري دائمًا التشوه المسخي الذي تتعرض له هذه الغريزة بعرض أمهات (الشهداء) يزغردن في جنازات أولادهن، أو يوزعن الحلوى في مآتمهم ـ كما تنقلها وسائل الإعلام التعبوية ـ في مظهر طالما أقلقه من مظاهر المتاجرة بالقيم السامية وعرضها للطلب في فترينات النضال المقدس.
أَحبَّ أيضًا أن ينقذ جسدها الميت من المصير الذي حدثه عنه والده حين رأى بقايا أعضائها ممزقة فوق الرمال وسط قطيع مختلط من الذئاب والضباع والثعالب المنتظرة حصتها مما يتبقى من الوليمة، غير أنه من المستحيل أن يهبها حياة ثانية أو ينقذها من المشنقة، أو يقترح فكرة إعفائها من الإعدام حين انقطع بها الحبل، لأن هذا الحدث هو ما صنع أسطورتها، ولو حذفه من السرد لما تبقى من بهيجة شيء، فأحيانًا يفعل الإنسان بلحظة موته ما لم يفعله بحياته كلها، ويمكث قليلًا عند هذه الفكرة الساحرة التي حوّلتْ فيها طريقة الموت الرومانتيكية أشخاصًا إلى أساطير. يرى الآن صورة ذاك الفتى التونسي التي نُشرت في مواقع التواصل وهو يركض ككائن خرافي في كتلة من اللهب ثم يسقط أمام مبنى مقر ولاية سيدي بوزيد.
فذاك الشاب الهامشي المهمش جعل من لحظة موته ـ دون أن يقصد ـ وصورته وهو يركض لحظة الغروب في عباءة من اللهب زلزالًا يعم المنطقة ويُسقط العروش العتيدة، وحتى عمر المختار، لو لم يُشنق بهذا العرض الطقسي لربما فقد أسطورته التي جعلته أيقونة تاريخية لمناسك التضحية في أرجاء الدنيا، فكثيرون هم قادة حركات المقاومة في تلك الفترة، لكن هالة الشيب على رأسه وفي وجهه ونهايته الدرامية هي ما أسبغت على الحكاية جمالها، فلو قُتِل المختار في معركة مثلًا، أو لو عاش حتى مات ميتة طبيعية، لانضم إلى ألوف المقاومين الذين أنكرهم التاريخ أو تناساهم أو تحدث عنهم بإيجاز.
يتذكر الآن وهو في غمرة هوسه بإدراج بهيجة في قائمة أبطال التاريخ، حين صُوِّر مشهد شنق المختار لفيلم (أسد الصحراء) في قريته التي ما زالت تحتفظ بمعالم وإكسسوار تلك المرحلة، وكان المخرج يعي أنه المشهد الأهم في الرواية كلها، فأولاه كل اهتمام، ويتذكر حين كان يذهب والده وأمه وعمته كل صباح مرتدين ملابس رثة استلموها من مكان التصوير للمشاركة في كومبارس الفيلم الذي شارك فيه معظم رجال ونساء وأطفال القرية.
كان أبوه يعود كل مرة مرتبكًا حيال هذا التكرار الفج للفاجعة، أما عمته فكانت لا تتوقف عن البكاء حتى عندما ينتهي التصوير، وكان منسق المشهد يحاول أن يهدئ من روعها، محاولًا أن يقنعها أن ما يحدث مجرد تمثيل، لكن شخصية أنتوني كوين الشبيهة بعمر المختار لا تفتأ تجدد حزنها وجراحها، وطيلة أسبوع كان يُعاد تصوير المشهد، وطيلة أسبوع كانت عمته تعود متورمة العينين.
تلك المحاكاة السينمائية (الروائية) لتراجيدايا مجتمع ما زال بعض ضحاياها أحياء، يستحث الذاكرة بكل ما فيها من ألم، ويقطع ذلك الحاجز الرقيق بين الواقعة والمخيلة، بين السيرة والفن، لكن أباه الذي كان يأتي كل يوم من مكان التصوير محايدًا، ومعتبرًا تلك الملابس الرثة التي وزِّعتْ عليهم ترفًا لو وُجدت في ذلك الزمن، كان يدرك أن اختزال هذا الزمن في مشهد شبه مستحيل، خصوصًا عندما يتجاوز المشهد تفاصيل تلك الحياة الصعبة التي عاشها والجميع في ظل الجوع والقهر.
كان معنيًا بالتفاصيل أكثر من تلك الأحداث الكبرى التي تغري صناع الدراما التاريخية، لذلك كان يستعيد أمام حياده تجاه ما يحدث في الفيلم بريقَ تلك الدموع الحارة التي تظهر خلف ما تبقى من أهدابه البيضاء حين كان يقرأ له قصيدة شاعر معتقل العقيلة «ما بي مرض» التي تُوغِل في تقنيات الوصف الموجعة لأحد أشرس المعتقلات في التاريخ، ورغم كل هذا الوجع، حين رأى أبوه، بعد نصف قرن، مشاهد شنق محاكم اللجان الثورية للمعارضين التي كانت تنقل على التلفزيون مباشرة، ورأى الطريقة المهينة واللاإنسانية التي يُعلَّقون فيها بحبال خشنة وبربطات مصممة كي يموتوا خنقًا، بينما ذوو الأوشحة الخضراء من اللجان الثورية يتأرجحون حبورًا بأقدام المشنوقين التي تنازع سكرات الموت، أو يصفعونهم ويبصقون على وجوههم أثناء احتضارهم، حين رأى كل ذلك، ضرب كفًا بكف والتفت إليه قائلًا بغضب: «حتى الطليان لم يفعلوا ذلك»، وهذه الكلمات الموجزة يراها الآن وهو يفكر في روايته كافية لتغطية حقبة الفاشية الثانية التي حكمت البلاد أربعة عقود.
كان والده يسمي الغزاة (الطليان) أو (النصارى)، أما الروائي المطلع فإنه يعرف أن من نكلوا بهذا الشعب البسيط والبدائي لم يكن الطليان، وليس لأنهم نصارى، ولكن الفاشيين منهم هم من فعلوا ذلك، ومثلما استقبل الليبيون جيشَ الحلفاء المحرِّر بالزغاريد والأهاجيز، استقبل الطليان جيوش الحلفاء بالزهور والأغاني فرحين بالتخلص من جنون موسيليني، وحين يقول والده، بحسه الفطري، حتى الطليان لم يفعلوا ذلك، كان يضع الفاشية في طرف والشعوب المضطهدة في طرف آخر، ولعل نهايتَي موسيليني والقذافي المتشابهتين تؤكدان هذا المنحى.
هذا ما فكر فيه الروائي راجيًا من روايته أن تكون مشروع استجواب للوقائع وليس تصفية حساب هوجاء، وحين اطمأن لتحوطاته الأخلاقية، يتذكر الآن أنه، بعد رؤية تلك المشاهد التي بُثّتْ في شهر الصيام، بدأ يحس بخفوت تأثر والده كلما قرأ له قصيدة الشاعر بوحويش، وأحال هذا التبدل إلى قسوة المشاهد التلفزية الراهنة فيه، وبأن الفارق كبير بين ما تسرده عين الكاميرا وما يسرده الشعر، وبين أن يُنكّل بك غازٍ أجنبي وأن ينكل بك أشخاص من لحمك ودمك، يشبهونك، يتحدثون لهجتك، ويلبسون مثلك، وتفوح من مطابخهم روائح طعامك نفسها، والتشابه كبير بين الفاشيات بغض النظر عن هويتها، وربما المختلف أن فاشية موسيليني كان ينازعها بعض خجل الأطروحات الكبرى من جرائمها فتبذل قصارى جهدها لتتكتم عنها، بينما هذه الفاشية المقلِّدة الحمقاء المتبجحة بتخلفها تتباهى بجرائمها، وتنقل أكثر المشاهد الوحشية حيةً على الشاشة ليشاهدها الجميع.
أتذكر في لقاء مع الروائي الجزائري، واسيني الأعرج، في طنجة، أنه اقترح عليّ أن أكتب رواية عن عمر المختار (الإنسان) وحياته الطبيعية التي لا نعرف عنها شيئًا، وقلت له: لكن لا أحد يعرف شيئًا عن سيرته الذاتية التي اختزلت في شخصية الرمز بما يشبه السي في، ونصحني بأن أتخيل وأكتبَ، لأجد نفسي أمام المأزق نفسه (السيرة الذاتية)، التي ستنزاح بها ليا يبي وهي تتحدث بلسان أبيها وهو يبحث عن عمل، بقوله «إنه لم يعد بحاجة إلى تقديم سيرته الذاتية، تلك التي شرح فيها تاريخ العائلة السابق، فلا أحد يهتمّ بتاريخ العائلة الآن. كل ما يحتاجه المرء باختصار CV».
*ليا يبي، حرة: بلوغ الرشد عند نهاية التاريخ، ترجمة فرج الترهوني. دار الفرجاني.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات